في 13- 14 من الشهر الحالي، سيجتمع قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي مع الرئيس الامريكي باراك اوباما في كامب دايفيد بناء على دعوة من الأخير وذلك لمناقشة العلاقات الأمنيّة بين الطرفين بالدرجة الاولى بالاضافة الى القضايا الاقليمية الهامة وعلى رأسها الاتفاق النووي المزمع عقده مع ايران نهاية شهر يونيو المقابل.
وفي الوقت الذي يسعى فيه اوباما الى تحضير المسرح الاقليمي لقبول هذا الاتفاق النووي وما ينجم عنه من تداعيات قد تؤرّخ لبدء حقبة جديدة في منطقة الشرق الاوسط، فان دول مجلس التعاون الخليجي ستركّز بالتأكيد على كيفية احتواء هذه التداعيات والحد من انعكاساتها عليها، بالاضافة الى ضمانات أمنّية حقيقيّة وفعّالة في وجه أي سياسات عدوانية او توسّعية دأبت طهران على اتّباعها منذ عقود ولاسيما في السنوات الأخيرة.
خلال الفترة القصيرة الماضية كانت هناك تكهنات مختلفة حول ما يمكن للجانب الامريكي فعله او تقديمه لاقناع دول مجلس التعاون الخليجي بأنّ الاتفاق لن يضرّهم أو بأنّه لن يأت على حسابهم وحساب مصالحهم. وقد ناقش الباحث في مقاله الأخير في صحيفة العرب القطرية أربعة أشكال من الخيارات النظرية الأمريكية المطروحة على طاولة البحث كضمان بالتزام واشنطن بأمن دول مجلس التعاون، بدءً بمعاهدة دفاعية، مرورا باتفاق أمني، وصولا الى منح صفة حليف استراتيجي من خارج “حلف شمال الطلسي”، وانتهاءً ببيع المزيد من الاسلحة.
بالأمس بدا واضحا بالضبط ماذا يريد كل طرف، فدول المجلس تريد شيئا مكتوبا ويحمل التزاما حقيقيا وليس شكليا. اذ نُشِرت عدّة تقارير تقول انّ سفير دولة الامارات العربية المتّحدة في واشنطن “يوسف العتيبي”، كان قد قال انّ دول مجلس التعاون تسعى للحصول على ضمانات أمنّية نظرا لسلوك ايران في المنطقة، وانّها كانت تستند الى نوع من الاتفاق الأمني الشفهي مع الولايات المتّحدة لكنها تحتاج اليوم الى شيء مكتوب، شيء مؤسساتي . (أو كما قال).
هذا يعني انّ دول المجلس اختارت السقف الأعلى من الضمانات وهو امر سيضع مصداقية اوباما تحت الاختبار. من غير المتوقع ان يوافق اوباما على هذا الطلب ولا حتى على خيار “اتفاق امني حقيقي”، وفي حال حصول ذلك ستكون مفاجأة كبيرة على اعتبار ان هذين الخيارين يتناقضان مع سياساته من جهة وكذلك بسبب العقبات العملية التي قد تحول دون الموافقة على احدهما، وهذا ما أكّده ايضاالعديد من الخبراء المقربين منه ومن ادارته في سياق التعقيب أو حتى الرد على المطلب الذي صرّح به السفير الاماراتي في واشنطن.
في تعليق له على الموضوع، قال “ديريك كوليت” والذي شغل منصب مساعد وزير الدفاع الامريكي للشؤون الأمنية الدولية حتى نهاية العام 2014، أنّ دول المجلس لن تحصل على ضمانات أمنّية كتلك الممنوحة لدول حلف شمال الأطلسي وفق المادة الخامسة من ميثاق الناتو ومفادها ان اي عدوان على اي دولة عضو يعتبر عدوانا على جميع الدول الاعضاءن مما يستوجب الدفاع عنها والرد عليه، وانّ ما هو مطروح قد يكون تطويرا لاشكال التعاون القائمة ومشاركة المعلومات الاستخباراتية وتطوير التعاون في مجال الدفاع الصاروخي.
“ريتشارد لي بارون”، السفير الامريكي السابق في الكويت قال في تصريح له انّه سيكون من غير الحكيم عرض اتفاقيات دفاعية رسمية على دول مجلس التعاون لأنّها تفتقد الى القيم الديمقراطية!. آخرون استبعدوا حتى تقديم اي نوع من انواع الضمانات على اعتبار انّ الاتفاق النووي مع ايران سيفتح مجالا واسعا للتعاون بين واشطن وطهران حول عدد كبير من القضايا الاقليمية وبالتالي لا حاجة لمثل هذه الضمانات!!
في جميع الاحوال، التجربة السابقة تثبت أنّه باتفاق لتقديم ضمانات او من دون اتفاق، لا يمكن الوثوق بوعود أو تعهّدات ادارة اوباما التي تمّ اختباراها على مدى السنوات الماضية بشكل جدّي وحاسم. هذه الادارة لديها انجذاب غير مفهوم نحو ايران وهي تراهن على الورقة الايرانية. وحتى لو افترضنا تقديمه لضمانات امنيّة مكتوبة لدول مجلس التعاون الخليجي، فمن المفيد عندها ان يقرأ قادة دول المجلس اتفاق الضمانات الأمنّية التي قدمتها الولايات المتّحدة مع غيرها من الدول لأوكرانيا عام 1994 في مقابل تخليها عن أسلحتها النووية. اذ من الواضح بشكل جلي اليوم انّ اتفاق الضمانات الأمنّية المكتوب هذا لم ينفع اوكرانيا في شيء، فقد قامت روسيا باحتلال جزء من أرضها والعبث بالجزء الاخر ، والجانب الامريكي يرفض حتى مد اوكرانيا بالاسلحة لمواجهة العدوان الروسي الى هذه اللحظة. التاريخ مفيد جدا في مثل هذه الحالات لمعرفة ما قد نواجه في المستقبل.

