الحدثان السوري واللبناني

يحلو لأمين عام جامعة الدول العربية نبيل العربي أن يتفاءل بتحوّل محتمل في الموقفين الروسي والصيني من الازمة السورية. ورغم أنّ هذا التفاؤل ليس مبنياً على أي معطى واقعي يمكن الأخذ به، إلاّ أنّه يعبّر في جميع الأحوال عن عداء "عروبي" دفين تجاه سورية. فالتطورات الجارية لا توحي بصحة استنتاجات أمين الجامعة العربية، بل تدحضها من أساسها عندما يأخذ العربي علماً بنتائج المساعي الروسية والصينية المتواصلة تجاه الأزمة السورية. ويزداد سخف "تفاؤلات" العربي بعد أن يأخذ علماً مرة أخرى بما قاله المرشح الأبرز للرئاسة الروسية فلاديمير بوتين حول عزم روسيا على إطلاق سباق تسلّح مع الغرب لتطويق مشروع الدرع الصاروخية لحلف شمال الأطلسي في أوروبا، مع ما يعنيه ذلك من عودة الى عصر الحرب الباردة التي اعتقدت واشنطن ذات مرة أنها أنهتها لمصلحتها بسقوط الاتحاد السوفياتي.

يحلو كذلك للنائب وليد جنبلاط أن يؤكد عبر تصريحاته النارية المتصاعدة لهباً هذه الايام ضد النظام السوري أنّ انحيازه نحو الخيار الأميركي نهائي هذه المرة. لقد أقنعت التطورات الأخيرة جنبلاط بصوابية الجنوح مجدداً نحو الاصطفاف في كورس المرتّلين لنشيد الأناشيد الأميركي. غير أنّ أسباب الجنوح الجنبلاطي المستجدّ ليست كافية لوحدها إذا كانت لا تتجاوز حدود التنبّؤات الحريرية والخليجية المستندة الى "معلومات" مطمئنة تسرّبها المخابرات الاميركية بنشاط حول اقتراب ساعة التغيير السورية. ويبدو غريباً أن يكون هذا النوع من التنبّؤات الزئبقية كافياً لجنبلاط كي يبني على الشيء مقتضاه. فماذا لو تبيّن بعد حين، أنّ أسباب جنوح جنبلاط، وهو المعروف بإحساسه المبكر باتجاهات الأمور، كانت مجرد جنوح في القراءة الجنبلاطية لعوامل الصراع واتجاهاته في الداخل السوري والخارج الاقليمي والدولي، مرّة جديدة؟  كلا القارئين، العربي وجنبلاط، يريان أحلاماً يصعب تفسير مداخلها ومخارجها. والمفارقة الأضافية هي أن جنبلاط لا يريد انتظار خواتيم سعيدة لأحلامه، فيبدأ من هذه "اللحظة التاريخية"، لحظة الحلم أو الوهم، بوضع تصوّر سياسي جديد للبنان "ما بعد الطائف" السوري- السعودي، ينطلق من "طائف جديد" بين السنّة والشيعة يختزل به فكرة لبنان الراهن بهذه "الثنائية القطبية" الداخلية مستنداَ على مراهنة حصول تغيير سياسي في سورية لمصلحة الأكثرية السنية. فيربط جنبلاط، من حيث يشاء أو لا يشاء، بين الحدثين السوري واللبناني. هذا الاقتراح الجنبلاطي المتعالي الذي يتجاوز أي دور مسيحي أو درزي في "الطائف الجديد" الطائفي إنما ينطوي على رغبة صريحة بإستيداع دروز لبنان، الذين يصرّ جنبلاط على اختصارهم في زعامة جنبلاطية مزمنة، تحت عباءة "القطب" السني من جهة، كما ينطوي من جهة أخرى على دعوة "رفاقيّة" صريحة للمسيحيين "الحريريين" أن ينكفئوا بدورهم تحت العباءة السنية "المنتصرة"، بعد أن يترك المسيحيين الآخرين "غير الحريريين" لمصيرهم المجهول.

من الممكن أنّ وليد جنبلاط لم يعد مقتنعاً، أو أنه لم يكن يرغب من البداية ان يقتنع بما سمعه من المسؤولين الروس خلال زيارته الأخيرة الى موسكو بأن روسيا جادّة أكثر من أي وقت مضى في وضع حدّ للطموحات التوسّعية الاميركية في سورية وإيران وسائر المنطقة الشرق أوسطية غير المنضوية تحت الجناح الاميركي. ولعلّ القراءة "الرؤيويّة" المنسوبة للتسعيني هنري كيسينجر، الذي يتّهمه الكثيرون بالخرف، حول سيطرة أميركية – "اسرائيلية" آتية "حتماً" على منطقة الشرق الأوسط وفي وقت ليس ببعيد، قراءة سخّفت في طريقها أيّ دور فعّال أو ردعي لدول كروسيا والصين والهند في المغامرة الأميركية-الأطلسية في شرق المتوسط، هي التي تجعل الأمور مختلطة على جنبلاط والعربي والكثيرين غيرهما من النيل الى الفرات.  

السابق
بيت بيوت في بيروت
التالي
فقط للنساء..!