بخلاف ما تكابده مصر الآن، من جراء مفاعيل التخريب والفوضى وانفلات العصابات، التي تعيث فساداً على أرضها، هناك مجموعات تتخفى في لبوس جمعيات متعددة الاختصاص، تسعى لإحداث البلبلة وتخليق الدسائس، وتحظى بتمويل خارجي، معظمه أميركي، أو بتمويل من خزائن موصولة بالقرار الاستخباري الأميركي. وبات المقبلون على تسلم السلطة التنفيذية، بين شقيْ الرحى، أو مثلما قال المتنبي: وسوى الروم، خلف ظهرك رومُ، فعلى أي جانبيك تميل؟!
فمن ناحية التركة التي سيتسلمها العهد الجديد، والتي تمثل ما هو في الخلف، هناك نحو ألف ومئتي مليار جنيه مصري من الديون الخارجية، وهذه مديونية مفزعة، تعادل بسعر الصرف الحالي، ما يزيد قليلاً عن مئتي مليار دولار، وتمثل أكبر حجم من ديون الدولة في تاريخ البلاد. ومن بين المفارقات الجارحة، أن نحو أربعين محبوساً أو مطلوباً، يمتلكون نحو نصف هذا المبلغ الخرافي. وهؤلاء يصرفون على إحداث الاضطرابات وعلى إضعاف الدولة وتكريس الفوضى، لكي تصبح ثورة 25 كانون الثاني (يناير) ذميمة وجلابة للشؤم والعطالة والمآسي، في الوجدان الشعبي. وما يصرفونه يمثل فتاتاً مما يمتلكون. وكانت فاجعة استاد النادي المصري في بورسعيد، سبباً في تنبه السلطات الى خطورة تجمع المسجونين ذوي الأرصدة المصرفية الطليقة، في عنابر مترفة، في سجن طرة. وبدأت عملية تفريقهم، بدءاً من رجال الصف الثاني في المجموعة، الذين نُقلوا الى سجن «العقرب» المعروف بكونه سجناً مُحكماً يُغلق المنافذ الى الخارج، على الجناة.
المديونية المفزعة، التي تُثقل على البلاد، تكمن أيضاً في الأمام، بالنسبة لمن يُفترض أن يتسلموا إدارة الدولة لاحقاً. وفوق هذه التركة الثقيلة، التي ستكون لها تأثيراتها على الخيارات السياسية للحكم المنتظر؛ هناك المتربصون الكُثر، بالتجربة الجديدة. ذلك لأن المديونية، ستظل عنصر الضغط الخارجي عليها، وما موقف الأميركيين من اعتقال ممولي اللجان والجمعيات العابثة، إلا دليلاً على أن أوساط اليمين الأميركي الجامح، ما زالت مصممة على أن تكون صاحبة الحظوة والحسم لدى أية حكومة مصرية، طالما أنها ستواجه شُحاً في تمويل متطلبات البلاد الأساسية. وأغلب الظن، أن إيقاع السلوك اليومي للحكم، سيكون مرصوداً، لا سيما وأن الإسلاميين هم الذين يُنتظر أن يتولوا مواقع المسؤولية. فقد لوحظ أن عدداً كبيراً من الجمعيات التي يمولها الأميركيون، تُعنى بمسائل ذات صلة بمناهج الحكم وتصرفاته، تحت لافتات توحي بأنها مهتمة بالجوانب القانونية وتلك المتعلقة بـ «الديمقراطية» وحقوق الإنسان. والغريب أن القوانين الأميركية، تمنع قيام المنظمات الحقوقية في الولايات المتحدة الأميركية نفسها، من القيام بأي نشاط سياسي. على الرغم من ذلك، فإن الأميركيين يحثون المنظمات المصرية التي يمولونها، على الخوض في السياسة، لكي تتحول مثل هذه المنظمات الى حصان طروادة، ما لم تكبحها الدولة، دون الالتفات الى الاحتجاجات الأميركية.
إن موقف الدولة، الإضطراري، من هذه الجمعيات التي تثير البلبلة في البلاد، دفع الولايات المتحدة، الى التلويح بورقة المساعدات الأميركية لمصر. ولعل من بين الأخطاء الجسيمة لحكم مبارك، كان الاستهانة بالحقوق الطبيعية للشعب المصري في عوائد ثرواته، مثلما حدث في عملية التسعير المتدني للغاز الذي يباع لإسرائيل، بأقل من نصف سعره العالمي. فقد كان السعر الحقيقي للغاز، كفيلاً بخفض المديونية والتقليل من تأثير التلويح الأميركي بورقة المساعدات.
الأميركيون يهجمون، ومن ورائهم إسرائيل. والفاسدون اللصوص الذين نهبوا ثروات الشعب المصري واعتصروا المجتمع وأفقروا الدولة، لم يكفهم ما فعلوا، وإنما بدأوا يبذلون من المال الذي انتهبوه، للصرف على مجموعات الشغب والفتنة، لكي تنهار الدولة ويفلتوا من العقاب، وربما يكون من بين طموحاتهم، أن يستعيدوا أدوارهم إن تبدى للمجتمع أنهم قادرون على استعادة الاستقرار. إنها أحلام يقظة تراودهم في سجونهم. وجدير بالإشارة، الى أن أحد التحليلات الأمنية، التي قدمها خبراء، لبعض حوادث السطو المسلح على البنوك، وعلى مراكز الشرطة التي يُحتجز فيها جُناة؛ أفادت أن طريقة السطو تنم عن هدف أهم عند اللصوص، وهو البرهنة للمجتمع على لا جدوى الشرطة وعلى انهيار الدولة. ففي أحد حوادث السطو، على أحد فروع البنوك، في رابعة النهار، بدأ المهاجمون غارتهم، بإطلاق النار في الهواء من الأسلحة الآلية، أمام بوابة فرع البنك، لكي يقولوا للناس، ها نحن ذا نبلغ الشرطة بأننا هنا. ثم يقتحمون ويسرقون بطريقة تكشف عن ضعف احتراف للسرقة نفسها، إذ تتبعثر منهم النقود وهم خارجون. ويتأكد المقصد الذي أشرنا اليه ـ وفق تحليلات خبراء أمنيين ـ عندما تعود مجموعة العابثين نفسها، الى الإغارة على فرع البنك نفسه، في صباح اليوم التالي، تأكيداً على أن الدولة منكفئة، وعلى أن سلاحهم هو الغالب. وفي المرة الثانية، يكون الهجوم بأربعة بنادق كلاشينكوف بلغ ثمن الواحدة منها في سوق السلاح السُفلي، ثلاثين ألف جنيه، بينما حجم السرقة كان تسعة آلاف جنيه، غامر المهاجمون بسلاحهم وبأنفسهم ليس من أجل المبلغ، وإنما من أجل الإسهام في الإطاحة بهيبة الدولة، وإمعاناً في التحدي باعتبار المفترض أن المكان الذي تعرض للسطو مرة أخرى، سيكون في موضع الرقابة والتحقيق الجنائي!
إن التحدي بالغ التعقيد والصعوبة، وأجهزة الدولة، تتحسس من استخدام الرصاص وسط الكثافة السكانية وتحاول أن تتحاشى المواجهات. ومثلما قال وزير الداخلية أمام مجلس الشعب، إن استنكفنا عن استخدام القوة، تقع الواقعة ونُتهم بالتقصير، وإن واجهنا التحديات بقوة، يقال إننا أفرطنا وبالغنا فيها!
إن مصر، التي أعطت بسخاء من قوت شعبها ومن دمه، لكل العرب ولكل قضاياهم؛ تمر بمحنة مؤلمة. لكننا نثق بأنها سوف تجتازها بشرف واقتدار. ومصر في حاجة الى دعم كل شرفاء الأمة، لكي تبرأ من جراحها وتسترد عافيتها واستقرارها. وهنا يلاحظ المرء استنكاف أهل الثروة العربية عن عون المحروسة، التي وصفها منظّرو القومية بـ «الإقليم القاعدة» في الوطن العربي. وليت العرب يتذكرون كيف وقفت مصر معهم على كل صعيد. ففي مكتبتي عدد قديم من مجلة «العربي» الكويتية، فيه تحقيق مصور عن قيام المدرسين المصريين، المبتعثين الى الإمارات في مطلع الستينيات، على نفقة حكومتهم، بتوزيع الألبسة المدرسية والكتب والأحذية، على التلامذة من أهل البلاد، الفقراء آنذاك!
إنه اختبار تاريخي لكل العرب، مثلما هي معركة ضارية وحاسمة، يخوضها المصريون، لكي يظفروا بمصر التي في خاطرهم، وليس التي في خاطر الأميركيين وأذنابهم داخل البلاد وخارجها!

