آمال الجنرال تندثر..!

تحاول مصادر ديبلوماسية غربية رصد خلفيّة المواقف التي أبداها عدد من الجهات السياسية النافذة في 8 آذار خلال الأسبوعين الأخيرين، وذلك بهدف تحديد مصدر الإيحاءات والإملاءات التي دفعت عدداً منها إلى اتّخاذ مواقف تصعيدية، لا سيّما تلك التي باشر رئيس تكتّل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون إطلاقها في الأيّام القليلة الماضية.

وفي رأي هذه المصادر، أنّ سقف التصعيد بات معروفاً ولن يتخطّى الحملات الكلاميّة ضدّ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، إلى التلويح بإسقاطها أو التظاهر ضدّها، وذلك بعدما أكّد الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله أنّ "الحكومة باقية". وتشير المصادر عينها إلى أنّ الغاية من التصعيد هي "تمثيليّة مبرمجة"، أو "سيناريو منظّم ومدروس" يركّز على تمرير الوقت الضائع من جهة، وتنفيس احتقانات متراكمة بسبب الأزمات الداخلية والسياسية والاقتصادية من جهة أخرى، خصوصاً بعدما وصلت الأمور إلى نقطة اللاعودة، لا سيّما على صعيد الأزمة السوريّة.
 ففي الداخل السوري، دخلت الأوضاع مرحلة متقدّمة وخطيرة عنوانها الرئيسي "لا عودة إلى الوراء"، على حدّ ما أعلنت المعارضة السوريّة إزاء ما يُرتكَب بحق الشعب السوري، على رغم ما يجري الإعلان عنه من مبادرات.

أمّا في لبنان، فيبدو أنّ من التزم الدفاع عن سياسة النظام السوري، لم يعد في إمكانه الالتفاف على هذه السياسة، وإعطاء تبريرات غير مقنعة لجمهوره بدوافع هذا الالتفاف، ولذلك فإنّ بعض هؤلاء لم يعد لهم تعليق إلّا الصراخ وتحويل الأنظار عن القضيّة الأم التي تتمحور حول مصير الوضع في لبنان في حال استِعار الحرب المذهبيّة في سوريا.

فعَون بات يواجه الحائط المسدود، ويفيد قريبون منه أنّه في حال من الضياع والإرباك، بعدما راهن لأشهر ماضية على تقارير أوحى له بها فريق عمله، إضافة إلى تطمينات الرئيس بشّار الأسد نفسه أنّ "الوضع ممسوك"، وأنّ القصّة بداية كانت تحرّكاً قام به بضعة أفراد من "الإرهابيّين". وفي موازاة الطمأنة، كان تضليل مبرمج، ويقول القريبون أيضاً إنّ عون لم يكن ليستقي الأخبار والتقارير من أكثر من مصدر، بل من مصادر ووسائل إعلام موالية، كانت تتعمّد بثّ المشاهد من الأحياء الراقية في دمشق للإيحاء بأنّ الوضع مستقرّ والأمن مستتبّ تماماً، إلى حدّ قول أحدهم أنّ المتزلّفين كانوا يردّدون على مسامعه القول: "ما في شي بسوريا"، وهذا ما دفعه مراراً، وعلى مدى الأشهر الماضية، إلى إبداء إعجابه بصلابة الرئيس السوري.

لا رحلة إلى براد هذه السنة، أضاف القرّيبون من عون، فطبيعيّ أنّ كلّ شيء تغيّر، ويمرّ الثلثاء تلوَ الآخر وآمال "الجنرال" تندثر على أرصفة الرعب الحاصل في سوريا، حيث تزداد يوماً بعد يوم أعداد القتلى الذين يتجاوزون المئة يوميّاً، و"عرش" الجنرال الذي التصق بالنظام السوري يهتزّ، وأسقط آمال مناصريه ومشروعهم السلطوي. أمّا روابط "الجنرال" الداخليّة، فهي تهتزّ أيضاً وأيضاً، منها القريبة منه ومنها البعيدة، بعدما خلط أوراقاً عدّة وأبعد رموزاً وكوادر كانت تعيش حتى الأمس القريب في فلكه، والقائمة تطول، هناك من يسأل، أين المسؤولون الإعلاميّون الذين عملوا لديه في السنوات الأربع الماضية، ولماذا اختفوا عن الشاشات، أين النوّاب الذين "قطع أوراقهم" وأبلغهم من خلال وسطاء أنّهم لن يبقوا على لوائحه في استحقاق سنة 2013 النيابي.

وزير حاليّ يؤكّد في مجالسه الخاصة أنّ مسيرة عون السياسية "أخذت منحى إنحدارياً" بلغ حدّه الأقصى أمس الأوّل، عندما تهجّم يائساً متطاولاً على مقام الرئاسة الأولى بما يشبه المطالبة بتحجيم صلاحيّاتها، بعدما فقد الأمل نهائيّاً في تبوُّئها، فاستهدف الرئاستين الأولى والثالثة، إضافة إلى التهجّم على الوزراء المحسوبين عليهما، فضلاً عن مهاجمة أقطاب في قوى 8 آذار كرئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، وفي الأكثرية كالنائب وليد جنبلاط، ما يوحي بأنّه يلعب آخر أوراق الضغط التي يمتلكها لطرحها في التداول السياسي.

وفي المحصلة، قرّر عون توجيه إنذارات واضحة الى حلفائه، وقد أصبحوا هدفاً بالنسبة إليه بعدما نسي خصومه، وبطريقة أخرى الجميع باتوا في مواجهته بما يشبه العزلة التي واجهها قبيل سقوطه وفراره إلى السفارة الفرنسية عام 1990، حينها كان يسأل المواطنون "على من يتّكل الجنرال؟"، وإذ تبيّن أنّه لا يتّكل إلّا على صراخه، ها هو اليوم يرفع نبرته إلى حدّها الأقصى ويعطّل عجلة الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد، كما العادة، في حين يبقى السؤال، هل يفعل ذلك خدمة لمشروعه الرئاسي؟ أم خدمة للنظام السوري؟ أم خشية من الوصول إلى استحقاق 2013 النيابي في ظلّ الأداء الفاشل لوزرائه في الحكومة الحاليّة على رغم طرحهم عنوان مكافحة الفساد و"التغيير والإصلاح" الذي لم يلمس منه المواطن إلّا مزيدا من التدهور الاقتصادي والاجتماعي والغلاء، والمزيد من الفساد؟

هل إنّ عون يقود حاضراً معركة الهروب إلى الأمام؟ الجواب تعطيه الأيّام القليلة المقبلة، بعدما وصل الرجل إلى نقطة "اللاعودة"! 

السابق
فضل شاكر: ‘فَشَر إعتذِر”!
التالي
هل تنطلق شرارة حرب طائفية من باب التبانة وجبل محسن؟