هل من حقك السكن في لبنان؟

أعاد مشهد البناء القديم المتداعي على رأس سكانه في حي فسوح الى الواجهة، ولو الى حين، الكلام على "الحق في السكن". بدأ الناس الخائفون على مصيرهم مناشدة الدولة مساعدتهم في اخلاء الابنية المتصدعة التي يسكنوها لأن لا قدرة لهم على الانتقال الى مسكن آخر. تتالت الزيارات الميدانية لسياسيين الى تلك الازقة الضيقة والابنية القديمة المتلاصقة، بمواكبة كاميرات الاعلام، تلتقط صور الناس العاجزين عن مواجهة مصيرهم. فإلى اي مدى فعلاً يتوافر في لبنان حق السكن؟

يُعتبر الحق في السكن من الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية الأساسية للإنسان، ليضمن عيشه الكريم وامنه الشخصي. وترتبط بهذا الحق حقوق أساسية أخرى، كالحق في الصحة والخصوصية وتكوين الأسرة ورعايتها… غير انه مع وجود اناس غير قادرين على تأمين ادنى مقومات العيش الكريم بسبب تفاقم اوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، وفي ظل فوران اسعار العقارات والشقق السكنية وعدم البت بقانون الايجار الممدد له منذ عقود، هل يمكن التكلم عن تشريعات وسياسة اقتصادية – اجتماعية ضامنة لحق السكن؟
يقول المحامي بول مرقص، رئيس جمعية "جوستيسيا" ومنسق الخطة الوطنية لحقوق الانسان، ان هناك نقصا في قوننة تشريعات وانظمة السكن اي ان هناك قوانين مبعثرة ومتفرقة، ولا توجد استراتيجية للدولة اللبنانية لا تتغير بتبدل الحكومات والوزراء والبيانات الوزارية. وهذه الخطط عادة ما توضع على اثر مرور الدول بمحن وحروب، مثل كثير من الدول الاوروبية التي عانت من تدمير ونزوح في داخلها، مما اضطرها الى وضع خطط طويلة الامد لمعالجة مسألة السكن بعد هذه الازمات.
ويكون مؤدى هذه الاستراتيجية تسهيل مسألة السكن عبر معالجة اسباب اخرى ليست لها علاقة مباشرة بالسكن، انما تسهم بطريقة ما في تفاقمها. ومنها اولا، مسألة الايجارات، اذ لا يمكن حل مسألة السكن من دون معالجة قانون الايجار القديم 92/ 159 وتمديداته، لان ذلك يعني ادارة هذا الملف الدقيق على طريقة تصريف اعمال الازمة، في حين نحن نحتاج الى اجتراح حلول خلاقة من طريق الايجار التمليكي بشروط مقبولة من المالك.
وثانيا، وسائل النقل: اليوم ان ازمة النقل العام مرتبطة بمسألة السكن، لان عدم توافر نقل عام فعال يصل المناطق اللبنانية ببعضها وبالعاصمة، ادى الى نزوح الناس من الارياف والقرى، ما سبّب أزمة اكتظاظ سكاني والقبول بالسكن في اي ظروف لتأمين الدراسة او العمل. لذا لا بد من تفعيل النقل العام واستحداث وسائل جديدة، والاهم استعادة الناس لثقتهم بالنقل العام، اذ انه حتى اليوم كل ما هو عام لا يتم التعامل معه بجدية.
ثالثا، لجم المضاربات الريعية العقارية: الجدير ذكره ان الاقتصاد اليوم اصبح حرا اكثر، ولا تمكن معالجة السكن من طريق بناء المجمعات السكنية، ولا بد من لجم المضاربات الريعية العقارية التي تؤدي الى ارتفاع اسعار العقارات. لذا يقتضي رفع التسجيل الناتج عن بيع العقارات المتتالية من قبل شخص واحد او اشخاص عدة.

 ما هي السياسية الحالية؟
يشرح مرقص ان البنية التشريعية في لبنان أصدرت قوانين عدّة، ترتبط بالحق في السكن، منها ما يتعلّق بالإسكان، ومنها ما يتعلّق بالإيجارات. فبالنسبة للسكن، صدر منذ العام 1962 قانون خاص بالإسكان أُنشئت بموجبه هيئة تابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية تُدعى "مجلس الإسكان". وفي العام 1973 انتقلت مهمات "مجلس الإسكان" في وزارة العمل والشؤون الإجتماعية إلى "المديرية العامة للإسكان" في وزارة الإسكان والتعاونيات ومن ثم انشئ العام 1977 "مصرف الإسكان"، وفي 1980 صدر القانون المتعلّق بإنشاء "الصندوق المستقل للإسكان"، إلا انه الغي العام 1996 لتنشأ مكانه "المؤسسة العامة للإسكان". ويوضح مرقص انه تم الغاء وزارة الإسكان والتعاونيات، ومن ثم المديرية العامة للإسكان والصندوق المستقل للإسكان، والإتحاد الوطني للتسليف، والإستعاضة عنها جميعاً بالمؤسسة العامة للإسكان التي يقتصر دورها على مراقبة منح القروض السكنية من المصارف التجارية. ومع الازمة الاقتصادية الاجتماعية الحالية وتدني القدرة الشرائية لاصحاب الدخل المحدود، برزت مسألة تعقيدات التقدّم للحصول على قرض سكني من المؤسسات التي تمنح قروضاً سكنية في لبنان وذلك لصعوبة الشروط التي تفرضها هذه المؤسسات وتعقيد إجراءات التقدم بقرض أمامها، مع اختلاف الشروط ونسب الفوائد ما بين مؤسسة وأخرى.

أزمة الايجارات
ويلفت مرقص الى انه في ما يتعلق بقوانين الإيجارات، صدر ما بين عامي 1936 و 2002 نحو 40 قانوناً ومرسوماً وقراراً من أجل تنظيم العلاقة التعاقدية ما بين المالك والمستأجر. ويعتبر مرقص ان قانون الإيجارات الإستثنائي الرقم 160/92 يشكل مشكلة لمالكي الأبنية القديمة، اذ حَرَمهم عبر التجديد المستمر من الإفادة من مساكنهم، فضلاً عن أنه يضيّق المجال أمام المالك الراغب باستعادة ملكه عبر وضعه شروطاً دقيقة وصارمة لإمكان إخلاء المستأجر أو المستفيدين من بعده من حق التمديد.

مبادرات ولكن!
وهنا يجب ألا ننسى ان لبنان اضافة الى كل مشكلاته الحالية، لا يزال يعاني من دمار حرب العام 1975 والاعتداءات الاسرائيلية المتكررة المدمرة للمباني والبنى التحتية، تاركاً الاف اللبنانيين من دون مأوى مناسب. ويختم مرقص بأن: "الدولة قامت ببعض المبادرات الاسكانية، لكنها لم تأتِ من ضمن استراتيجية موحدة لتطوير القطاع السكني في إطار شامل لتنمية سكنية مِستدامة عبر توزيع فرص البناء على المناطق. ونحن نحتاج ايضا الى سلة تشريعات خلاقة في ميادين متصلة بالسكن، منها النقل ورسوم التسجيل وتبسيط الشروط المطلوبة للحصول على قروض، وتشجيع البناء السكني التأجيري لذوي الدخل المتدني أو المحدود.

حق السكن في التشريعات الدولية
تنص معظم المعاهدات والإتفاقات الدولية على ما يمكن اعتباره الحد الأدنى المقبول الذي يتوجب على الدول القيام به لاحترام حق الأفراد في السكن الملائم، ومنها:
المادة 11 فقرة 1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية: تنصعلى حق كل شخص في مستوى معيشي كافٍ له ولأسرته، بما يفي حاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى.
كما تؤكد صكوك دولية أخرى، كإتفاق حقوق الطفل في المادة 27- فقرة 3، وإتفاق مناهضة مختلف أشكال التمييز ضد المرأة في المادة 14- فقرة ج، على تعزيز الحق في السكن.  

السابق
المجلس النسائي اللبناني كرّم ليلى الصلح
التالي
لقاء بين المستقبل والتقدمي في حاصبيا