لاجئ في معراب

على الغلاف | بوابة حديدية رمادية كبيرة. بالقرب منها لوحة تؤكّد أن المكان المقصود هو «منزل سمير وستريدا جعجع». بالقرب منه المقرّ العام للقوات. الرحلة من بيروت إلى معراب كانت طويلة، لكن المناظر الطبيعية التي تراها عين ابن المخيم المليء بالباطون، تعوّض عناء المشوار. في السيارة تزدحم ملايين الأفكار في رأسك وتتراكض بسرعة غريبة. فبعد قليل ستقابل «الحكيم»، الرجل الذي لطالما قرأت عنه في كتب الحرب اللبنانية. الرجل الذي لطالما سمعت عنه أيضاً في أزقة المخيمات.

الآن، وأنت في معراب تتأمل كل شيء، تحاول أن تحفظ تفاصيل المكان، فبالطبع زيارتك لن تتكرر كثيراً إلى هنا. خلف الأسوار والأبواب الحديدية العالية، يسكن على كتف الجبل الرجل الذي قضى 11 عاماً في زنزانة ضيقة في وزارة الدفاع في اليرزة. الإجراءات الأمنية مشددة، تجتاز الحاجز الأول، تصل إلى الثاني، يجري تفتيش السيارة وتسجيل الأسماء.
يصعد قربك أحد شباب أمن «الحكيم». الشاب لطيف. يعتذر عن اضطراره إلى مرافقتنا، لكن «هيدي الأوامر» كما يقول. تتأمل الراكب الجديد، فهو في هذه اللحظات «الآخر» الذي لطالما كنت تتفاداه، لكنه الآن هنا، جالس بقربك. أصحاب «القمصان السود» موجودون هنا أيضاً، فالعسكر أينما كانوا يتشابهون. و«الفيلدات» العسكرية ليست حكراً على عناصر حزب الله وحدهم. وأحذية «الألتاما» والأجهزة اللاسلكية هي نفسها. وللمناسبة، لحى المكلفين بأمن جعجع ومظهرهم مع ملابسهم، لا تختلف أبداً عن عناصر «الانضباط» لدى حزب الله.تصل إلى الحاجز الثالث والأخير. تترجل من السيارة، يأخذ المسؤول عن الأمن من زميلك الأقلام. يطمئنه الشاب إلى أنه سيأخذ قلماً من «جوّا». و«جوّا» ليس بعيداً عن «برّا»، حيث نحن. تعبر البوابة الرئيسية، لا يفصلك عن المبنى غير خطوات عدة. تسير ببطء، تتلفّت كمن يريد أن يحفظ المشهد الجميل المطلّ على الساحل. تصل إلى مكتب المسؤولة الإعلامية أنطوانيت جعجع. تستقبلك السيدة اللطيفة بحرارة. تسألك، بما أنها المرة الأولى التي تراك فيها «من وين، البقاع أو الجنوب»، جازمة بأنك لبناني. تبتسم وتختار نصفك الآخر غير اللبناني، نصفك «الإشكالي»، قائلاً إنك «فلسطيني». ترد جعجع بحفاوة أكبر، ثم تسألك «من أي مخيم؟». «برج البراجنة» تقول. فترد السيدة بأنها «لم تزر مخيم البرج سابقاً»، مع أنها زارت مراراً مخيمات الجنوب. تتأمل مكتب جعجع المشغول بحضور ممثلي وسائل الإعلام لتغطية المؤتمر الصحافي لـ«الحكيم». تعود السيدة بعدما تطمئن إلى أن كل شيء يسير على ما يرام. تسألك لماذا أحببت أن تزورنا؟ تجيب بابتسامة «ما في سبب. بس ع بالي شوف الحكيم شخصياً». تردّ عليك «بس تشوف الحكيم رح تِعلَق فيه». تبتسم للعبارة، وتفكر في أن في خلفية رأسك صورة نمطية لن تستطيع بعض العبارات والابتسامات كسرها.

تمر اللحظات بثقلها، تنتظر خروج «الحكيم» ليعقد مؤتمره الصحافي. في الانتظار تتأمل مكتب جعجع، صورة كبيرة لأشجار أرز، أخرى للقديس شربل، وواحدة كبيرة للحكيم شخصياً، لسمير جعجع. «يلّا رح يبلّش المؤتمر»، تقول أنطوانيت. تنتقل إلى المكان الذي اعتدت أن ترى جعجع يتكلم منه. دقائق يخرج الرجل إلى الإعلاميين. ها هو الرجل أمامك بـ«شحمه ولحمه»، لا تفصلك عنه شاشة أو زجاج مضاد للرصاص.
يرتّب الرجل أوراقه، ينتظر أن يجهز الجميع. تبدأ سلسلة جديدة من الأفكار، لكن كلها هذه المرة سوداوية. ينهي مؤتمره، يسير باتجاهنا: يسلّم على زميليّ، يأتي دوري. تبدأ عملية «عصف فكري» جديدة: سأضع يدي بيد جعجع؟ هل أفعل؟ستحصل المصافحة فعلاً. يمدّ الرجل يده مبتسماً، تجد يدك تمتد. ترد الابتسامة بمثلها، لا بل ترد على شدّ اليد بمثله. أنت تسلّم على «عسكري». «دقائق ومنقعد سوا» يقول. نعود إلى مكتب أنطوانيت، تفرك أصابعك براحة كفّك. لطالما كنت تشتم الرجل سابقاً على مواقفه السياسية «المسمّة» بالنسبة إليك. الانتظار لا يطول كثيراً. ننزل الى الطبقة السفلية. يستقبلك «الحكيم» بابتسامة هادئة. تدخل المكتب الذي كنت تراه أيضاً على شاشات التلفزة. تتأمل المكان. أوراق مكدسة على مكتب كبير، وشاشة كبيرة. يسألك جعجع «من وين»؟ تجيب وكأنك تتحداه بإجابتك «فلسطيني من عكا». يلتفت إليك «عكا، أهلاً وسهلاً». تتأمل في وجهه. حركة يديه، ابتسامته، تكراره لبعض الكلمات ثلاث مرات. تحفظ كل شيء. تتأمله وأنت لا تزال تتخيّل أن هناك شاشة تفصلك عنه. يتحدث الرجل عن كل شيء. الوضع الداخلي اللبناني، الوضع السوري، وضع المسيحيين في العراق، عن «السماوات والقبوات». تحدث جعجع عن كل شيء.

بعد ساعة ونصف تنتهي المقابلة مع «الحكيم». يقف الرجل عند الباب مودّعاً. تتصوّر معه. يعلّق أحد الزملاء أن نشر هذه الصور على فايسبوك سيؤدي إلى قطع علاقتك مع نصف أصدقائك، وخاصة أنك فلسطيني. يردّ جعجع ضاحكاً «وأنا رفقاتي ح يبطلوا يحكوا معي». تخرج من مكتبه، مجدداً إلى مكتب أنطوانيت. تعوّض ساعة ونصف من عدم التدخين. تسألك مسؤولته الإعلامية عن انطباعك؟ «لذيذ الرجل، رغم كل الأفكار المسبقة التي كانت في رأسي». تضيف ممازحاً: «أعطوني طلب الانضمام الى حزبكم».
تخرج من مكتب أنطوانيت. تنظر خلفك إلى المبنى الذي يذكّرك تلقائياً بـ«ملجأ الذئب» الذي تحصّن فيه هتلر خلال الحرب العالمية الثانية. هكذا، وأنت جالس أمام رجل «ينضح مدنيّة»، لا تستطيع أن ترى سمير جعجع إلا مقاتلاً ببزة عسكرية حاملاً شعلة القوات.  

السابق
ندوة تبحث عن العرب بين تركيا وإيران
التالي
سحابة صيف