«شو عامل بكرا؟»، «وين سهرانين؟»، أسئلة من سبحّة طويلة تكاد لا تنتهي، يطرحها اللبنانيون على بعضهم البعض قبل عيدي الميلاد ورأس السنة. سينقسم هؤلاء كل بحسب مزاجه. منهم من يختار بين أماكن السهر المناسبة، ومنهم أيضاً من يفضّل البقاء في المنزل لاعتبارات عدّة، منها ضيق ذات اليد، أما بينهما فثمة فئة من الناس تعيش الأيام عاديّةً. تمرّ، ولن يتكبّد أصحابها لاحقاً عناء استعادة الذكرى. فيوم العيد هو يوم عمل. كل ما قد يضاف إليه هو مضاعفة الجهد المبذول قياساً بباقي أيام العمل الأخرى.
«سهران بالشغل وعلى راس السنة كمان»، يقول موسى الذي دخل «سوق» العمل منذ العام 1997. «كنت شوفير صينيّة وخلّص وراق»، يردف ممازحاً، مشيراً إلى عمله الذي كان لا هويّة محددة له في إحدى وسائل الإعلام. بعدها، انتقل إلى شركة مختصة بنقل السيارات. هناك في مكتب عمليات الشركة، يتلقى موسى سيلاً من اتصالات الزبائن يومياً. يأخذ اسم العميل واسم شركة التأمين، المكان الذي تعطلت فيه السيارة، ثم يتصل بسائق «البلاطة» لقطر السيارة من مكانها إلى حيث يريد صاحبها.
منذ ما يربو على اثني عشر عاماً لم تسنح له فرصة قضاء أيام الأعياد غير أربع مرات صودف أن حلّ فيها العيد يوم عطلته الأسبوعية. اثنتا عشرة ساعة عمل يومياً لن تمنحه القدرة على فعل ما يريد. «أنا معزول عن الناس». هذه هي حاله موسى ومن يماثلونه. فقدان القدرة على التواصل الاجتماعي السليم أمر طبيعي. كل ما قد يفعله في إجازته الأسبوعية هو أن يغطّ في نوم عميق تعويضاً عما فاته بعد أسبوع عمل مضنٍ.
«مبارح (في عيد الميلاد) نمت الساعة 4 الصبح»، يفصح موسى الذي تتضاعف نسبة المتصلين به ليلتي الميلاد ورأس السنة «لأنو كل الناس بتكون ضاهرة وبتكتر السيارات يلي بتتعطل فجأة وبوصل على البيت هلكان». موسى الذي يعمل في مؤسستين «والمحروم من فعل الكثير» يستدين أيام العطل الاضطرارية من زملائه، ثم يقوم بالتسديد لهم أنى اضطروا هم إلى ذلك، فحالهم واحدة.يحبّ موسى أن يحتفل بليلة الميلاد مع عائلته، لكن «الظروف صعبة وما فيي أعمل شي»، وإحساساً منه بأهمية اجتماع أفراد العائلة في مناسبة كهذه فإنه تطوع بالعمل عن زميله المتزوج هذه الليلة كما فعل سابقاً.. وسيفعل لاحقاً.
لا يختلف وضع أحمد (شيف) عن موسى. «أنا لا أعيّد إلا في حال واحدة، وهي أن أكون عاطلا عن العمل». أحمد الذي يعمل 10 ساعات يومياً في أحد المطاعم، يتمنى لو يمتلك عمله الخاص ليفعل ما يشاء. «أنا إنسان مش قادر عيش مع العالم. أقدم خدمة للناس لكني أعيش عكس هؤلاء الناس». لا يستطيع أحمد السهر إلا إذا تمكن من تمضية يوم عمل بما يتطلبه من جهد بعد نوم ساعة أو ساعتين.. فقط!
محمود أيضا قضى ليلة الميلاد في عمل استمر 16 ساعة. عمله كممرض منعه من الاحتفال بليلة الميلاد، والأمر نفسه سيحصل في ليلة رأس السنة. ثماني ساعات في المستشفى، ومثلها عند مريض خارجه، حرمته وستحرمه السهر برفقة أصدقائه. «راس السنة والميلاد مش متل باقي الأيام! وبدل من أنو كون سهران أنا بتشغل 16 ساعة» يقول محمود متذمراً.
ليست ليلتا الميلاد ورأس السنة فقط ما يفوت محمود. ليالٍ كثيرة أخرى خلال السنة، لا يستطيع فيها السهر. «المشاوير بتصير فجأة، ولا استطيع الخروج في موعد قبل تنسيق مسبق يحتاج أحيانا إلى أسبوع كامل". موعد كهذا يستلزم بحسب محمود البحث عن ممرض آخر قادر على أن يبادله دوام العمل. وإن كان هذا الأمر ميسراً في الأيام العادية، فإنه يصبح شبه مستحيل ليلة رأس السنة. «من الصعب أن أجد بديلاً، لأن من سيبدل دوامه بدوامي يريد أن يسهر أيضاً»، إضافة إلى أن إدارة المستشفى لا يمكن أن تسمح بوجود نسبة كبيرة من الممرضين والممرضات حديثي العهد في المهنة مقابل عدد قليل من ذوي الخبرة.
محمود الذي ينتهي عمله عند الحادية عشرة من مساء الليلة الأخيرة من العام، لن يكون بمقدوره السهر، لأن عليه الاستعداد لدوام عمل يبدأ عند الساعة السابعة من صباح اليوم التالي. وإن فعلها وسهر، فعليه أن ينسى راحته الجسدية قبل يوم مليء بالعمل. «مهمتي إنسانية لكنها مع الوقت تصبح مملّة. من حقي أن اسهر أيضاً!» يختم محمود.
إذا كانت ظروف الحياة قد أجبرت البعض على العمل أيام الأعياد، فإن البعض الآخر يتطوع لبذل مهمة إنسانية خاصة في تلك المناسبات. شيرين المتطوعة في الصليب الأحمر، والتي من المفترض أن تتواجد برفقة أهلها وأختها التوأم الآتية من السفر، قررت الاستجابة لنداءات المحتاجين وإسعافهم. «هذا اليوم بالنسبة إليّ أهم من وجودي مع عائلتي. فمهنتي إنسانية وضميري يملي عليّ أن أغض النظر عن كثير من الأمور التي أتمنّاها. في ليلة رأس السنة مثلاً نصادف نداءات استغاثة، ومنها ما يحصل بعد حوادث سير مرعبة وحالات السكر والطقس الماطر». تقول ثم تردف «لست تعبة لأني أمنح من قلبي. حتى إني أفصحت لأهلي ذات مرة، بأني ربما أترك مقعد الدراسة إذا تطلّب تواجدي في الصليب الأحمر مني وقتاً أكثر».

