الانتفاضة الثالثة.. والحقيقة الثابتة

ما كان يتردد البعض في تسميته بالانتفاضة الثالثة اصبح حقيقة. لم يعد هناك شك في ان الفلسطينيين على موعد جديد مع العدو الاسرائيلي، يستخدمون فيه دمهم سلاحا، ويلوحون بصور شهدائهم وجرحاهم في وجه العالم الذي نسيهم وظن أن بامكانه ان يتجاهلهم وأن يشطب قضيتهم.

الانتفاض مختلف هذه المرة. ربما لن يتخذ شكل تحركات سلمية وتظاهرات شعبية واعتصامات وحملات مقاطعة للعدو وبضائعه، كما في المرتين السابقتين.  لكن النتيجة واحدة. لن يكون من السهل أن توسم  الانتفاضة الثالثة بالارهاب، او ان تعتبر نتيجة تدبير او تحريض خارجي، او حتى ان توصف بانها استثمار سياسي.

هي الان ذروة اليأس الفلسطيني، وذروة البحث عن خلاص من العذاب الذي لا ينتهي.

ولعل هذا هو الفارق الجوهري بين الانتفاضة الحالية وبين سابقتيها اللتين كانتا متسقتين مع مسار سياسي ما، وجاءتا للضغط على المفاوض الاسرائيلي او للتأثير على المفاوض الفلسطيني ، وللتسلل ايضا الى الوعي العربي والضمير العالمي. هذه المرة ليست القضية الفلسطينية على أي جدول أعمال جدي، وليس الشعب الفلسطيني في حسبان أحد. تعرض قبل أشهر لعدوان وحشي على قطاع غزة، لم يجهد الاسرائيليون حتى في توفير ذرائعه. وما زال يتعرض في الضفة الغربية لاسوأ حملة اغتيالات واعتقالات اسرائيلية.. توجت في الاونة الاخيرة بالهجمة اليهودية على المسجد الاقصى.

هذه المرة ليس هناك سلطة فلسطينية يمكن ان تفاوض باسم الانتفاضة، وليس هناك معارضة فلسطينية يمكن ان تناور باسم المنتفضين الذين ليس لمعظمهم هويات سياسية، ولا يحملون غير رخصة قيادة سيارة، تحولت في الاونة الاخيرة الى صخرة تستوعب أكوام الحجارة ولا تستبدلها. هذه المرة، ليس هناك سوى الارادة المجردة من اي هدف غير الدفاع المشروع عن النفس والسعي الى الانتقام الفردي ثم الجمعي من القاتل الاسرائيلي.

قد تتخذ الانتفاضة الراهنة طابعا دينيا اكثر من سابقتيها، لانها تأتي بعد هجمة اسرائيلية لم يسبق لها مثيل على القدس وقبلتها، لكن مثل هذا التحول يفتقر الى سند اسلامي من خارج حدود فلسطين يوازي المدد اليهودي الذي يتلقاه الاسرائيليون من مختلف انحاء العالم. فالاسلاميون في كل مكان هم في حصار او حتى في مأزق الان، خيار غالبيتهم هو السجن او داعش.. الذي لا يمكن ان يكون نداً للغزاة اليهود، ولا يقدم نفسه على هذا النحو، حتى الان على الاقل. على الرغم من ان دول الخلافة التي انشأها وهشم بواسطتها التاريخ الاسلامي هي الوجه الاخر للخرافة اليهودية التي بنيت عليها الدولة العبرية والتي انتهزت الفرصة الداعشية الثمينة من اجل الانقضاض على الاقصى وبناء الهيكل المزعوم.

لم تكن فلسطين يوماً وديعة اسلامية، او حتى عربية فقط، ولذلك لن تحفل انتفاضتها الجديدة بالتسميات او التصنيفات، وستكمل مسيرتها الكفاحية الطويلة من دون الاخذ في الاعتبار الانجاز السياسي الذي يمكن ان تحققه. الهدف محدد منذ زمن بعيد، وهو لم ولن يتغير. والصراع لم ولن يهدأ.. حتى ولو بدا في بعض الاحيان ان ثمة استكانة او استراحة محارب، لم يلتزم بها العدو يوماً.

هي الانتفاضة الثالثة التي تشهد فقط على تعاقب الاجيال الفلسطينية وتبدل الاساليب والادوات النضالية، بما يتناسب مع الظرف الحالي من الصراع. لم تعد الحجارة تجدي في رد الهجوم ولا في كسب العطف. انتج الاحتلال وممارساته الوحشية نمطاً جديدا من الفدائيين الذين ليس لهم سوى هوية واحدة، وليس لهم طموح سوى ان ينتزعوا من العدو الحق في اختيار طريقة استشهادهم وموعده.

وهم في ذلك يعيدون تصويب الكثير من الاخطاء والانحرافات، ويوفرون مخرجاً من تلك الازدواجية البائسة بين خلافة داعش وبين اسطورة اسرائيل.

http://www.almodon.com/opinion/1fa77ecc-58cb-42fb-a26d-9594cd3ed450

السابق
 غليان في القدس والضفة ونتنياهو يتوعد وأوباما يدعو للتهدئة والجبهة الشعبية تتبنى
التالي
أكثر من 100 يوم على اعتصام المياومين ولا حلول