لعلها من غرائب المفارقات اللبنانية في هذه الظروف العصيبة داخلياً وإقليمياً أن تتقاطع مصالح الخصوم والأعداء الأشداء على تطويل حبل النجاة للحكومة فيما تتصاعد من حولها الاحتقانات والتوترات والحسابات المتصادمة.
الدول الغربية المسارعة الى الترحيب بقرار تمويل المحكمة الدولية تسعى عبر ديبلوماسييها ورسلها الى بيروت، وآخرهم كبير الخبراء الاميركيين في الملف اللبناني جيفري فيلتمان، الى تكبير حجم "الأجندة اللبنانية" الصرفة في اداء الحكومة ومنع الانزلاقات الرسمية نحو النظام السوري، حتى ان فيلتمان المدرك بخبرته الطويلة حساسية اي جرعة زائدة قد تحركها مواقفه في بيروت، تجنب الخوض في "المسائل الاستخباراتية" مثلما تجاهل أي كلام على "حزب الله" لئلا تذهب مفاعيل تشجيع ادارته للرئيس نجيب ميقاتي بجريرة اي استفزاز للحزب.
والحزب نفسه، الذي تجرع قبل اسبوع اشد الكؤوس مرارة في تمرير التمويل، والذي لم يوفر زعيمه السيد حسن نصرالله في خطب عاشوراء اي مصطلح في مهاجمة اميركا وقوى 14 آذار ذاهبا الى مقولة "بلطوا البحر" في موضوع سلاحه، انبرى عاجلا الى الأخذ باقتراح ميقاتي في مسألة الأجور على حساب حليفه العماد عون حين حانت ساعة السياسات "الواقعية". رب سائل اي رابط بين مسائل استراتيجية كبرى ومسألة الأجور؟ لكن من قال ايضا ان السياسات الكبرى لا تقاس بـ"صغائر" الأمور؟مفاد هذه المعادلة ان لبنان الآن يمشي كحكومته على حبل مشدود يجري تطويله بشق النفس. ومن يتخلف عن فهم هذا العمق، في لحظة عبور الازمة السورية الى متاهة مخيفة وحاسمة، سيتكبد حتما مزيدا من الاخفاقات.
يخطئ هنا "حزب الله" خطأ فادحا في اظهار المزيد من الاستهانة بخصومه الداخليين، وتحديدا قوى 14 آذار. فهذه القوى ليست حتما في افضل احوالها، ولكنها تظهر حتما دهاء موصوفا في الزهد الراهن بالسلطة، والتزام "حكمة" الانتظار في حين تتربص بقوى 8 آذار تجربة باهتة في السلطة. كما لن يضير المعارضة ان يحصد الرئيس ميقاتي اوسمة الغرب ما دام مردود التكريم يرسم علامات التمايزات العميقة داخل مكونات الحكومة. وليس ادل على ذلك من التمايز الآخذ في التصاعد بين "حزب الله" و"تكتل التغيير والاصلاح" نفسه حول السياسات التفصيلية. اما سد الطريق على "الحوار" في مسألة السلاح، فلن تكون الا لمصلحة قوى 14 آذار التي تسأل الآن عن جدوى تلك المباراة الفكرية العقيمة التي دارت جولاتها منذ عام 2006 حول ما سمي "استراتيجية دفاعية"، ثم عن دوافع الضعف لدى الحزب لرفض حوار "لياقات".
ومع ذلك فإن ثمة ما يشي بمنسوب خفي من حسابات باردة واقعية لا تعكس حقيقة المواقف النارية ولا عروض القوى الجامحة. ولعله هو الآخر "رهان" لا يضير وسط هذه الازدواجية العجيبة التي يسبح فوقها لبنان حتى اشعار آخر.

