لم يكن جف حبر المواقف البالغة الدلالة التي اطلقها الامين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله واعلانه المواجهة مع المشروع الاميركي، حين باشر مساعد وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الادنى جيفري فيلتمان محادثاته مع كبار المسؤولين في بيروت، في «تزامن» يعكس حراجة الحال اللبنانية المترنحة فوق الصفيح السوري الساخن.
فـ «ظهور» نصرالله العلني والمواقف «الاكثر تشدداً» في مقارباته للواقعين اللبناني والسوري، حضرا بقوة في الاروقة السياسية التي اشتمت رائحة تصعيد أملته المتغيرات العاصفة من حول لبنان، المرشح ان يكون الساحة الاكثر حماوة في ضوء الرقص فوق الفالق الاستراتيجي الذي يهز المنطقة ومعسكراتها الاقليمية ومحاورها.
ورغم ان الافرقاء المحليين كانوا يلهون امس بالعمل على تطويق «عقدة» مشاركة الفريق الوزاري لزعيم «التيار الوطني الحر» النائب العماد ميشال عون في جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت في حضوره، فان «وهج» كلام نصرالله وعصفه السياسي استمر بالتفاعل من دون ضجيج علني، خصوصاً في ضوء ما اعتبرت الدوائر المراقبة اعلان «حزب الله» طي صفحة اي حوار محتمل حول مصير سلاحه والايحاء بارتباط حركته بمصير نظام الرئيس بشار الاسد.
وقالت اوساط شيعية من خارج ثنائي «حزب الله» وحركة «امل» لـ «الراي» ان اخطر ما يؤشر اليه كلام نصرالله هو الانتقال من مقاومة اسرائيل الى مواجهة المشروع الاميركي في المنطقة، الامر الذي يترك علامة استفهام حول جدوى تحويل الشيعة اللبنانيين وقوداً في مواجهة لا طاقة لهم على تحملها.
وفي قراءة سياسية واسعة الاطلاع لما تضمنته الاطلالات الاخيرة للامين العام لـ «حزب الله»، خلاصة مفادها ان نصرالله اوحى بما لا يقبل الشك بانه يتجه نحو خيارات اكثر تشدداً في مواجهة التحولات من حول لبنان، ما يعني قطعاً للطريق على تسويات كتلك التي تعودها لبنان في المنعطفات الخطرة.
ولاحظت تلك الاوساط ان بقاء الستاتيكو الحالي في لبنان على حاله في اللحظة الراهنة مرده الى حاجة نظام الاسد لبقاء حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، اكثر مما هو انعكاس لبراغماتية الاطراف اللبنانية، لا سيما «حزب الله» في ادارة الازمة الصاخبة الناجمة عن «كرة النار» السورية المتدحرجة.
هذه القراءات تؤشر الى ان لبنان العالق بين فكي الكماشة، السورية من جهة والعربية – الدولية من جهة اخرى، يتجه نحو مصاعب فعلية، خصوصاً ان الرسالة الاميركية التي تلقاها امس كانت واضحة في حض فيلتمان المسؤولين اللبنانيين على عدم الدخول في مواجهة مع جامعة الدول العربية والمجتمع الدولي.
وكان فيلتمان اعلن بعيد لقائه ميقاتي ان «تمويل المحكمة اشارة ايجابية تلقاها المجتمع الدولي، ورئيس الوزراء اللبناني اتخذ قراره بعدما رأى أين هي مصلحة لبنان خصوصاً انه عضو في مجلس الامن»، لافتاً الى ان «لبنان اجرى اتفاقية مع مجلس الامن بشأن المحكمة ولا بدّ ان يبقى على تواصل معها وهو يدرك التزاماته خصوصاً بالقرار 1701 وغيره، وانا سعيد بأنّ لبنان وفى بالتزاماته تجاه المحكمة».
ورداً على سؤال قال: «تحدثنا عن الوضع في سورية، ولا بد ان اشير الى ان هناك توافقاً دولياً وعربياً ويجب ايجاد سبل سلمية كي يغيّر النظام السوري اساليبه في التعاطي مع الشعب السوري، وهذا التوافق مهم جداً ولا يمكن ان يستمر الاسد في التعاطي مع شعبه بهذه الطريقة، والمسؤولون اللبنانيون ينظرون الى هذا الامر من ناحية العلاقة الوثيقة مع سورية. وانا متأكد من ان لبنان لا يريد ان يدخل في مواجهة مع الجامعة العربية والمجتمع الدولي»، مضيفاً: «لا بد من الحفاظ على التوافق الدولي لان هذا يوجه رسالة قوية الى سورية».
وفي حين اعلن: «انا نريد ان ينتهي الوضع في سورية عبر الوسائل السلمية ونركز الجهود في هذا الاتجاه»، قال: «حين تتحدث الجامعة العربية عن ارسال مراقبين فتلك طريقة سلمية للحد من العنف»، مضيفاً: «السفير في سورية روبرت فورد قام بواجبه على اكمل وجه واوجد روابط مع الشعب السوري ولا بد ان نتذكر ان النظام السوري منع دخول وسائل الاعلام الحرة ومنع المنظمات الدولية من ذلك، يجب ان نعلم ما يحدث داخل سورية ونثبت للشعب السوري اننا نحاول ان نقف الى جانبهم، وفورد لا يزال موجودا في سورية لانه يساعدنا في فهم ما هي الوسيلة الانسب لوقف العنف وليساند العشب السوري».
واذ شدد على «اننا ندعم بقوة استقلال لبنان وحريته ونريد ان نؤمن مصالحه»، قال: «اننا ملتزمون بدعم القوات المسلحة والجيش اللبناني وسنساعده كي يفي بالتزاماته بحماية الحدود اللبنانية».
واوضح رداً على سؤال «اننا حاولنا ان نطلب اجتماعا مع الرئيس سليمان واعتقد ان الاجتماع مع الرئيس بري تم التاكيد عليه، وسالتقي بعدد من الاشخاص في لبنان وممثلين عن 14 آذار والحكومة».
وفيما كان فيلتمان يوجّه «رسائله» الى لبنان، كان الاتحاد الاوروبي يكرّر عبر رئيسة بعثته في بيروت السفيرة أنجلينا أيخهورست ابلاغ رئيس الحكومة بترحيب الاتحاد بالقرار الذي اتخذه لبنان بدفع مساهمته في موازنة المحكمة الدولية لسنة 2011 «بما يتلاءم مع التعهدات السابقة للسلطات اللبنانية والتي تقضي بأن يستمر لبنان في احترام التزاماته الدولية».
ووسط هذا الحِراك، وفيما دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى عقد جلسة عامة لمتابعة الأسئلة والأجوبة للحكومة الاربعاء المقبل والتي يتوقع ان تشهد «سخونة» تعكس تصاعُد الاحتقان بين قوى 8 و 14 آذار، نجحت الاتصالات في لملمة المشهد الحكومي الذي يعاني تصدّعات ظهّرها ملف تمويل المحكمة اذ انعقدت جلسة مجلس الوزراء امس بمشاركة وزراء «تكتل التغيير والاصلاح» برئاسة العماد ميشال عون الذي اعلن قرار عدم المقاطعة عقب اجتماع لأقطاب تكتله وهم النائب سليمان فرنجية، رئيس حزب «الطاشناق» هوفيك مختاريان والنائب طلال ارسلان.
وبدا واضحاً ان عون اضطرّ لقبول «الحد الادنى» من الاستجابة لمطالبه التي كان اعلنها مباشرة بعد ولادة مخرج تمويل المحكمة واشترط السير بها وإلا قاطع الجلسات من دون ان يُسقط «ورقة» الاستقالة. وكان في مقدمة «اجندة المطالب» التي دعا لإدراجها على جدول اعمال مجلس الوزراء التعيينات الإدارية خصوصاً رئاسة مجلس القضاء الأعلى التي يدور تجاذب حولها بين زعيم «التيار الحر» ورئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي يؤيده رئيس الحكومة والنائب وليد جنبلاط في عدم دعمه مرشح عون لهذا المنصب. علماً ان بتّ هذا التعيين يُعتبر المدخل لتحريك ملف «شهود الزور» في التحقيقات في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي رفعه «حزب الله» وامينه العام السيد حسن نصر الله بوجه ميقاتي كـ «تحدٍّ» غداة السير بقرار تمويل المحكمة الذي «تجرّعه» الحزب بمرارة عبّر عنها بوضوح.
وكان جلياً قبل اعلان عون المشاركة في جلسة مجلس الوزراء، ان ثمة قراراً بتفادي وضع المزيد من العصي في دواليب الحكومة، يشكل عملياً امتداداً للقرار السوري الذي اوجب تمويل المحكمة والمحافظة على حكومة ميقاتي لاعتبارات تتصل بمآل الأزمة السورية واحتمالات تطورها.

