تحاول زينب ( 20 سنة) جاهدة للوصول الى جامعتها، في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية في صيدا، صباح كل يوم، للالتحاق بزملائها الذين يسبقونها عادة الى مقاعد الدراسة، فالمسافة بعيدة نسبياً عن بلدتها العديسة ( مرجعيون)، لكن المشكلة تكمن بعدم توافر وسائل للنقل العام، كما تقول، " نضطرّ أنا وعدد من زملائي المقيمين في المنطقة الى انتظار سيارات الأجرة، أو الفانات العابرة، لنقلنا من مكان الى آخر، رغم أن ذلك يؤخّر وصولنا في الوقت المناسب الى الجامعة، كما يشكّل عبئاً مالياً كبيراً، فقد نتكلّف يومياً، ذهاباً واياباً، حوالي 20 ألف ليرة، اي حوالي 500 ألف شهرياً، اذا حذفنا أيام العطل الأسبوعية، وهذا يقارب متوسط دخل المزارعين في منطقتنا، ما يعني أن أهالي طلاّب الجامعات ينفقون الجزء الأكبر من مداخيلهم كبدلات لنقل أولادهم الى الجامعات". المشكلة عينها تعاني منها زهراء حاريصي، ( سنة ثالثة أدب انكليزي)، فتقول " المعاناة الأكبر لدى عودتنا من الجامعة الى المنزل، سيما في أيام الشتاء، فقد نضطرّ للعودة عند المغيب، أي في الوقت الذي تنعدم فيه حركة النقل الى القرى البعيدة في مرجعيون وبنت جبيل، ناهيك عن أن هطول الأمطار يجعل العودة أمراً صعباً جداً، ومخيفاً أحياناً كثيرة، فلا يمكن لسيارة أجرة أن تنتظر خروجنا من الجامعة لتقلّنا الى منازلنا الاّ مقابل أجر كبير، سيما أن زملائي من أبناء المنطقة هم من بلدات مختلفة، لذلك فقد يستغرق وصولنا الى منازلنا أكثر من ساعتين، ما يؤثر سلباً على الدراسة المنزلية". وتبيّن حاريصي أن " معظم طلاّب الجامعات من أبناء المنطقة اختاروا الجامعة اللبنانية، كونها جامعة الفقراء، ورغم ذلك فان حرمان أبناء المنطقة من وسائل للنقل العام، يجعل كلفة الوصول الى أقرب جامعة في صيدا أمراً مكلفاً ويوازي ما يتكبده الطلاّب الأغنياء كأقساط على الجامعات الخاصة المكلفة". ويبدو أن عدداً كبيراً من الطلاّب المضطرين للاقامة في المنطقة قرروا ترك جامعاتهم، والبقاء في منازلهم بانتظار العريس المناسب، " لقد فضلت أنا وزوجي عدم تسجيل ابنتنا الوحيدة في الجامعة، بسبب عدم وجود منزل في صيدا أو بيروت، وعدم قدرتنا على تغطية مصاريف الانتقال من والى الجامعة، رغم علمنا بقدرة ابنتنا على التفوّق والنجاح، لكن الأوضاع المالية وعدم توافر وسائل للنقل العام أجبرتنا على اتخاذ هذا القرار، وبتنا ننتظر العريس المناسب لتأمين السعادة لابنتنا" . تقول ضحى سعد ( بنت جبيل)، وتعتبر ابنتها زينب أن " ما حصل لي يحصل كل يوم لعدد كبير من الراغين في الانتساب الى الجامعات، سيما بعد أن قرّرت ادارة الجامعة اللبنانية اعتماد نظام التعليم الجديد، الذي يلزم الطلاّب بالدوام اليومي، بعد أن كان النظام القديم، خاصة في كليتي الآداب والحقوق، يسمح لأمثالنا بالانتساب الى الجامعات ومتابعة الدراسة بشكل متقطّع والتركيز على الدراسة المنزلية، لعدم القدرة على الوصول الى الجامعة كلّ يوم بسبب عدم توافر وسائل النقل العام والأوضاع الاقتصادية الخانقة". في المقابل يتحمّل عد كبير من الموظفين المقيمين في المنطقة الذين تبعد مراكز عملهم نسبياً عن أماكن سكنهم من المشقّة عينها، سيما " بسبب ارتفاع سعر البنزين، فنضطرّ الى التنقل بين سيارة وأخرى، منذ الصباح الباكر، لنصل بأقلّ كلفة مادية ممكنة الى مراكز عملنا"، كما يقول حسن حمدان ( ميس الجبل)، ويبيّن أن " عدم توافر النقل العام، يجعل الاقامة في المنطقة أمر صعب ومكلف، رغم أن معظم المقيمين مضطرين للاقامة لعدم وجود منازل لهم في المدن، وأماكن عملهم".

