بين ليلة وضحاها، انقلبت الصورة رأساً على عقب في لبنان، بدأ التأزم السياسي يسابق التحضيرات لمشهد أمني يجزم البعض بأنه لا يزال مستبعداً، مع أن معطيات أخرى تربط بين اقتراب الأزمة السورية من تدهور خطير والتحسبات التي يعمل وفق أجندتها حلفاؤها في لبنان، ضمن سيناريو يجري تداوله في عواصم غربية وفي عموم المنطقة من سوريا ولبنان والأردن والخليج ومصر·
وفي هذا السياق، تعتبر المصادر الديبلوماسية، أن تدخل النائب ميشال عون بتشكيل خصومة قوية مع الرئيس نجيب ميقاتي، خطوة محسوبة في إطار ضعضعة الحكومة من الداخل، وسحب المظلة السياسية التي كانت ما تزال مرفوعة فوق الاستقرار على الرغم من الانقسام الحاد بين القوى السياسية، والتي ينتقل من درجة خطرة الى درجة أخطر·
وتدرج أوساط المراقبين تطورات الساعات الماضية بالتزامن مع الاستعدادات الكبيرة لمهرجان طرابلس غداً، وتزايد التوترات الأمنية في المنطقة الحدودية الشمالية مع سوريا، ضمن مجرى سياسي يستهدف إعادة تعديل معادلة القوة الداخلية بين الأطراف في الحكومة وخارجها·
ولم يتأخر الرئيس نجيب ميقاتي من الرد المباشر والقوي على المناورة التي بدأها النائب عون من القصر الجمهوري حيث أطاح وزراؤه بنصاب جلسة مجلس الوزراء أمس، إلى اللهجة التي تذكر بمرحلة ما قبل تشرين عام 1990، والتي توجه بها إلى جمهوره، في إطار التحريض والشحن السياسي، في وقت كان فيه حلفاؤه في حركة <أمل> وحزب الله يجرون المشاورات بعيداً عن الأضواء ليس فقط في ما خص بتدابير عاشوراء المحفوفة باحتياطات غير مسبوقة هذا العام، بل في تقييم في ما أعلنه رئيس الحكومة عن الاستقالة والتمويل والعقوبات وقرارات المجتمع الدولي والتزامات الجامعة العربية في ما خص القرارات والعقوبات ضد سوريا، حيث تؤكد الأوساط القريبة من هذه المشاورات أن الرئيس نبيه بري فوجئ بما أعلنه الرئيس ميقاتي على نحو ما فوجئ به عندما استقال الرئيس عمر كرامي في مجلس النواب عام 2005، بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري·
أما أوساط حزب الله، فهي تمعن في ممارسة <التقية السياسية>، تاركة للأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله، تقديم المقاربة التي لا تدفع بالأمور تأزماً من الطرف الشيعي لاعتبارات تتعلق بحساسية الوضع الطائفي والمذهبي، من دون أن يتدخل الحزب مع حليفه عون لوقف انهيار المواقف، أو المساهمة بلملمة التصدعات التي تضرب الكتلة السياسية التي جمعها بعنوان الأكثرية الجديدة المكونة لحكومة الأشهر الخمسة·
وإذ أبدت أوساط الحزب نفسه عدم رضاها عن خطوة ميقاتي وتهديده بالاستقالة التي شبهتها بالالتزام الذي قطعه في نيويورك من دون استشارة أحد، كشفت أن أي اتصالات لم تجر مع رئيس الحكومة الذي <أصبح بمثابة المستقيل>، واكتفت بمشاورات داخل جبهة الحلفاء (أمل وعون) والذهاب إلى قصر بعبدا لمناقشة الوضع المستجد مع الرئيس ميشال سليمان الذي كان تداول مع الرئيس ميقاتي في الوضع الذي آلت إليه العلاقات داخل الائتلاف الوزاري، وما يمكن القيام به لاحتواء <الضعضعة الحكومية> قبل فوات الأوان، لا سيما وأن ردود الفعل من الفريق الشيعي تميزت بفتور ولم يعد يعتبر أن الحكومة أمراً لا يمكن الاقتراب منه، كما كانت عليه الحال عندما نظرت إليه قيادة <حزب الله> بأنه خط أحمر في حينه، وكأنها (أي قيادة الحزب) في ذلك ترى أن المعطيات التي فرضت الحكومة في حينه تغيرت، في اتجاه أن يكون الظرف أكثر مناسبة لتأليف <حكومة ممانعة>، تعتبرها أوساط 14 آذار بأنها <فكرة مجنونة>، غير قابلة للترجمة العملية، وأن مجرّد الاشارة إليها، كلام تهويلي لرفع السقوف، في محاولة لتحسين شروط التفاوض قبل الولوج إلى تسوية، قال مصدر قيادي في قوى 14 آذار، انها قد تكون على شاكلة إطلاق البحث في حكومة جديدة، في وقت ليس ببعيد·
ولاحظ المصدر أن حقيقة التطورات الحاصلة وتلويح الرئيس ميقاتي بالاستقالة، ومن ثم التصعيد الذي بادر إليه عون مرتبط بتداعيات الأزمة السورية أكثر مما هو مرتبط بأزمة تمويل المحكمة، داعياً إلى انتظار كيفية سير الأمور، التي توقع أن تكون متسارعة جداً وبشكل دراماتيكي·
في المقابل، بدت أوساط ميقاتي، الذي سيسافر اليوم إلى الفاتيكان، أكثر هدوءاً مما كانت عليه في الأيام الماضية، واقل تركيزاً على مسألة الاستقالة، على اعتبار أن لا مصلحة لأحد بأن تفلت الأمور، وأن سياسة الرقص على حافة الهاوية، لن تدفع الجميع الى الانتحار، معولة على الاتصالات التي قالت انها لم تتوقف، وان كانت لا تزال بحاجة الى تكثيف·
الا ان هذه الأوساط، أقرّت مع ذلك، بأن شيئاً لم يتبلور بعد، وأن أفق الحل غير واضح، رغم أن جميع الأطراف تسعى إلى هذا الحل، مشيرة في الوقت عينه إلى أفكار يجري تداولها، ومنها احتمال تأجيل جلسة الأربعاء من غير رضى الرئيس ميقاتي الذي لا يزال مصراً على عقدها، بعدما نجح في سحب الفتيل من مهرجان 14 آذار الأحد في طرابلس·
تصعيد عون ورغم أن أوساط الرئيس ميقاتي، تعتبر أن وزراء تكتل <الاصلاح والتغيير> لا يستطيعون بمفردهم لا تعطيل النصاب، ولا دفع الحكومة إلى الاستقالة بإعلان استقالتهم منها، فان الملاحظ أن عون أطلق بنفسه إشارة السباق لتصديع الحكومة أو اسقاطها من الداخل، بعد ساعات من إعلان الرئيس ميقاتي عزمه على تقديم استقالته في حال لم يوافق مجلس الوزراء على تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان·
وبدا واضحاً من كلام عون، أن ثمة توزيع أدوار بين أطراف الأكثرية المكونة للحكومة، بحيث تولى رئيس التيار العوني مهمة تصديع الحكومة، عبر التهديد باستقالة وزرائه، في وقت نأى <حزب الله> وحركة <امل> بموقفهما عن مواجهة مباشرة مع رئيس الحكومة تفادياً لانعكاساته المذهبية والسياسية في الشارع·
وتتركز المشاورات الدائرة حالياً بين الرابية وعين التينة (التي عاد منها ميقاتي أمس خالي الوفاض) وحارة حريك، حول توقيت إعلان استقالة الوزراء العونيين، وهل تكون عشية لقاء رئيس الحكومة مع البابا بنديكتوس السادس عشر الذي يستقبله في الفاتيكان الاثنين المقبل، في استعادة لمشهد إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري عشية لقائه الرئيس الأميركي باراك اوباما في واشنطن، ام تثمر المساعي الجارية عن <تسوية ما> تؤدي الى تأجيل ملف الحكومة وتفجير الحكومة الى وقت آخر، وهذا احتمال ضعيف، حسب متابعين للاتصالات الجارية؟
وفي هذا السياق، ابدت مصادر ديبلوماسية اقليمية، تخوفها على الاستقرار في لبنان، في حال استقالت الحكومة واحتدمت الخلافات من جديد بين طرفي 14 و8 آذار، معتبرة بأن الحفاظ على الحكومة يشكل صمام امان لتجنيب لبنان خضات داخلية، فضلا عن انعكاسات الاحداث المتصاعدة في سوريا، وذلك على خلفية صعوبة تشكيل حكومة جديدة، نظرا للانقسامات الحالية في البلد، والهوة التي تفصل موقفي تيار <المستقبل> وحزب الله من الملفات المطروحة·
تعطيل النصاب واذا كانت اوساط رئيس الحكومة حاولت التقليل من اهمية تعطيل نصاب جلسة مجلس الوزراء التي كانت مقررة في قصر بعبدا، امس، عازية فقدان النصاب الى سفر عدد كبير من الوزراء في الخارج، الا ان مكتبه الاعلامي، سارع الى الرد على الكلام الذي صدر امس عن عدد من وزراء عون، مذكراً اياهم بنص المادة 64 من الدستور (الفقرة السادسة) التي تنص على ان رئيس الحكومة هو الذي يضع جدول اعمال جلسات مجلس الوزراء، بعد اطلاع رئيس الجمهورية مسبقا على المواضيع التي يتضمنها، وعلى المواضيع الطارئة التي ستبحث، مشيرا الى انه <اذا كان المقصود من كلام هؤلاء الوزراء العودة مجددا الى محاولة خلق اعراف جديدة على حساب التوازنات التي ارساها اتفاق الطائف وكرسها الدستور اللبناني، او الانتقاص من صلاحيات رئيس مجلس الوزراء الدستورية، فإن هذا الامر غير وارد على الاطلاق تحت اي ظرف، ولن تكون رئاسة مجلس الوزراء مكسر عصا في كل مرة يجد فيها البعض نفسه مأزوماً، او ساعياً الى دور وحجم يتجاوز حقه الطبيعي>·
وكان مصدر واسع الاطلاع قد كشف لـ <اللواء> ان قرار عدم مشاركة وزراء التكتل في جلسة الحكومة امس، جاء اثر مشاورات استغرقت يومين، كانت بعيدة عن الاضواء، وبالتنسيق مع قيادة حزب الله، ثم جاء اعلان الرئيس ميقاتي عزمه على الاستقالة اذا لم تمول المحكمة، ليرفع من قرار عدم المشاركة الى احتمال استقالة الوزراء التسعة من الحكومة، تحت مسمى عدم ايلاء مصالح الناس الاهتمام الكافي على حساب موضوع المحكمة·
وقال وزير بارز في التكتل لـ <اللواء> ان ايا من الاصلاحات التي انتظرها اللبنانيون، في طليعتها قانون الانتخاب والتعيينات الادارية والديبلوماسية والحلول للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية، لم تستطع الحكومة انجازها، فبدت مشلولة على رغم الدعم الذي حظيت به من قوى الموالاة، وظهر كأن ثمة استهدافا للوزارات التي يشغلها التكتل حصرا، وخصوصا الطاقة والاتصالات والعمل، بحيث تعطلت او عُرقلت المشاريع الاصلاحية التي طرحها الوزراء، في حين ان مطالب وزارات اخرى (تعيينات وملء شواغر وتمويل···) جرى تمريرها تحت ستار الحاجة او الضرورة· وسأل: بأي منطق يستجاب لمطالب دولية او اممية (تمويل المحكمة) ويتم اغفال او تعطيل مصالح اللبنانيين؟
واشار الوزير البارز الى ان هذا التكتل لم يعد في استطاعته تغطية او تحمّل هذا الواقع، لذا باتت مسألة اعادة النظر في مشاركته في الحكومة امرا ملحا وضروريا·
وكشف ان قرار مشاركة وزراء التكتل في جلسة الاربعاء او المقاطعة سيتخذ قبل ساعات من الجلسة، في انتظار الاتصالات والمشاورات المنتظرة·
وعلمت <اللواء> ان قيادة التكتل قررت ان تضغط ان تكون جلسة الاربعاء مطبوعة بالعنوان الاجتماعي، بمعنى ان وزير العمل شربل نحاس سيرفع الى الامانة العامة لمجلس الوزراء بدءا من الاثنين مجموعة من المشاريع تتعلق بالشأن الحياتي، وستصر قيادة التكتل على ان تدرج في جدول الاعمال لبتها، ومن بينها مسألة تصحيح الاجور·
وليلاً رفع عون من حدة هجومه على الرئيس ميقاتي، معلناً رفضه تمويل المحكمة، قائلاً: <ليتفضل من يخاف على امواله ليترك الحكم للفقراء الذين لا يخافون>، مشيرا الى ان المجتمع الدولي لا يمكن ان يفرض على لبنان ما لا يريده·
وشدد، في كلمة القاها في عشاء هيئة جبيل في التيار الوطني الحر، على اسلوب التخويف والترهيب بأن هناك تدابير اقتصاص من لبنان لن ترهبنا، داعياً الرئيس ميقاتي الذي يستعمل هذا الاسلوب إلى ان يرينا أين هذه القوانين التي سيفرض المجتمع الدولي علينا عقوبات بموجبها>· مؤكداً أن الأولوية لديه ليس المحكمة، بل تعيين رئيس للمجلس الأعلى القضاء وتأمين الكهرباء والماء والري وثم الزراعة، محذراً الناس من الاصغاء إلى ما وصفه بالاعلام المزيف والانتباه إلى اللعبة التي أوصلتنا إلى 64 مليار دولار ديناً·
وتوقع مصدر سياسي أن تكون الساعات الثماني والأربعين المقبلة حاسمة حكومياً، بالنظر إلى عنواني المحكمة والشأن الحياتي اللذين سيطغيان على النقاش السياسي، من دون أن يستبعد أن تؤدي الحماوة السياسية إلى الدخول في بازار من المطالبات يمكن أن تنتج مخرجاً لمسألة التمويل، على شاكلة مقايضة بينها وبين اقرار الجزء الأكبر مما يسعى إليه عون في التعيينات وفي عناوين الإصلاح السياسي والاجتماعي·

