لم يكن خروج القوات الاميركية من العراق خروجا طبيعيا حسب ما كان يريده الاميركي عندما قرر احتلال هذا البلد العام 2003 ، وبطبيعة الحال فان آلاف مليارات الدولارات التي صرفت على هذا الاحتلال الذي خسر آلاف الجنود بفعل مقاومة العراقيين للاحتلال وافشال مشروعه الذي يهدف للسيطرة على قرار العراقيين وسيادتهم وثرواتهم ، كان خروج المحتل الاميركي كالهارب من النار جعله يظهر مظهر الخائب المهزوم ما ترك انطباعا لدى كل العالم عن كسر هيبة القوة العسكرية الاميركية بعدما كسرت المقاومة في لبنان وغزة هيبة التفوق العسكري الصهيوني في المنطقة.
من هنا كان لابد للادارة في واشنطن ان تجد بديلا لفراغ انسحابها من العراق وكسر سيطرتها على منطقة وفشل شرقها الجديد العام 2006 ، وهي في الوقت نفسه تترقب تعاظم قوة محور المقاومة واقترابه اكثر فأكثر من هزيمة حاسمة للكيان العبري في اي مواجهة عسكرية محتملة ، ومن البديهي ان تسعى واشنطن ومعها تل ابيب وبعض الانظمة العربية والاقليمية الى ضرب محور المقاومة والحد من تقدمه ، واكثر ما هو متاح في هذا السياق هو اعادة تشغيل فكرة الفوضى الخلاقة التي انطلقت من رحم ربيع عربي صحيح جرى تحويره الى صراعات طائفية وعرقية وقومية بهدف التقسيم والتفتيت وانهاك الجيوش العربية القوية.
ما يحدث اليوم في العراق ظاهره “داعشي تكفيري” لكن جوهره “اميركي اسرائيلي عربي تركي” يسعى الى تقسيم هذا البلد وادخاله في صراعات تستمر لعشرات السنين من اجل الا يستعيد دوره على الساحة الاقليمية والدولية؟ لان هذا البلد موحدا قويا وقادرا هو خطر على المشروع الاميركي بل ايضا اسقاط له لان العراق بموقعه الجغرافي والاقليمي وما يمتلك من مقدرات وثروات تجعله بسنوات قليلة يمتلك اقوى الجيوش في المنطقة وهذا ما يخشاه الاسرائيليون من جراء طبيعة علاقة اغلب القوى العراقية بمحور المقاومة.
لذلك فان هذا البلد يتعرض اليوم الى تقسيم حقيقي يأخذ شكلا تكفيريا طائفيا ظهر في المنطقة بعد الاحداث السورية ولا يخفى على احد ان تنظيم داعش هو عبارة عن شركة تعهدات ارهابية تنفذ مصالح دول وجهات عديدة تمولها بالمال والسلاح؟! وجعلت منه اغنى تنظيم تكفيري بعد تفتيت تنظيم القاعدة وغياب الادارة المركزية عليه بعد مقتل اسامة بن لادن ، وهنا علينا ان ننتبه الى هذا الامر انطلاقا من صراعات البيت الواحد بين ما يعرف بالحركات التكفيرية وكيف استطاع الاميركيون وحلفاؤهم العرب وعلى رأسهم السعودية بفعل نفوذهم على هذه التنظيمات من احداث صراع دموي بين هذه الحركات من اجل الامساك بعملها اكثر وتحريكها في اي وقت وفي اي مكان.
ومما لا شك فيه ان الارهاب التكفيري ومن يشغله هزم عسكريا وسياسيا في سورية وهو اليوم يصارع عبثا دون افق وآمال تصل به الى الهدف المنشود وهو تغيير وجه سوريا وتقسيمها ، وعليه كانت الوجهة العراق بفعل تقاطع مصالح بين تل ابيب وتركيا والسعودية وقطر ، من اجل فرض معادلة جديدة في العراق هدفها الاول والاخير منع العراق من امتلاك جيش موحد قوي، ايضا من اجل تقسيم ثرواته النفطية على اساس طائفي وعرقي والا تكون هذه الثروة تحت سلطة مركزية واحدة.
ان الخطر الذي يسببه احتلال داعش لمحافظات عراقية وخيانة وحدات من الجيش العراقي يؤكدان ان هناك من عمل في الخارج والجوار على هذا الامر كتعويض مبدئي عن هزيمته في سورية وردا على المفاوضات الايرانية مع الغرب وايضا نتائج الانتخابات العراقية ، وهذا لا يعني بطبيعة الحال ان كل ما يحدث هو بفعل خارجي بل هناك ايضا اخطاء داخلية عراقية ساعدت في ذلك على رأسها غياب الحوار الحقيقي بين كل المكونات وعدم فهم البعض لهواجس ومتطلبات الآخر ، واستمرار البعض بعقلية الاجتثاث والالغاء لقوى وازنة خصوصا بعد ان اقدم المحتل الاميركي على الغاء الجيش العراقي من اجل ان تنشأ ميليشيات مسلحة تكون بديلا للقوات الشرعية وهذا ايضا من الاخطاء الداخلية التي لم تعرف الحكومة العراقية التعامل معه كما يجب عبر الاحتواء لعشرات آلاف الجنود والضباط الذين تأثر جزء كبير منهم بالحركات التكفيرية بفعل تعرضهم الدائم للاقصاء والتهميش.
ان العراق اليوم وبكل وضوح يواجه خطرا حقيقيا وفعليا وهو التقسيم والحرب الاهلية ولا سبيل للخروج من هذا النفق الا بالحوار والمصالحة اولا وثانيا بالعمل على اعادة هيكلة القوات المسلحة انطلاقا من عقيدة وطنية وعربية، ثالثا رفض كل اشكال التدخل الخارجي خصوصا الاميركي مهما كان هذا التدخل عسكريا او تقنيا او سياسيا كذلك يجب على العراقيين رفض كل اشكال الدعوات الى الجهاد لان ما يحصل في بلدهم هو عدوان يطاول كل الوطن وليس جزءا منه او فئة من شعبه ، وابعاد ما يحدث عن كونه صراعا طائفيا والعمل على مواجهة العدوان على وطن وشعب بأكمله ، وانتصار العراق وخروجه من نفق الغزو التكفيري يكمنان في المصالحة والحوار ليبقى موحدا من شماله الى جنوبه بكل اطيافه وقومياته ومحافظا على عروبته وعصيا على التقسيم.

