اذا صح التقرير الذي نشره «معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى» قبل ايام عن ان جوهر الاشتباك الحالي التركي الاسرائيلي هو في التنافس على مخزون الغاز والنفط الموجود في المتوسط، فان احتمال المواجهة العسكرية بين الدولتين التي لم يكن بالامكان تصورها حتى الان، تصبح واردة، ومبررة، برغم ان موانعها لا تزال كثيرة.
لم يصل التقرير الاميركي الى حد التكهن بامكان اندلاع حرب تركية اسرائيلية، لكن الدراسات الصادرة في واشنطن وفي تل ابيب باتت تتحدث صراحة عن موازين القوى العسكرية بين الدولتين وما تملكه كل واحدة منهما من طائرات مقاتلة وقطع بحرية حربية وفرق برية، وسط انباء شبه يومية عن ان تركيا واسرائيل تعدان جيشيهما للانتقال من مرحلة التحالف الاستراتيجي الذي ساد طوال العقود الستة الماضية من عمر الدولة اليهودية، برعاية وعناية خاصة من حلف شمال الاطلسي، الى مرحلة العداء المكشوف الذي يحتمل في اي لحظة تلقي الاوامر بتبادل اطلاق النار.
ما زالت الفكرة خيالية، لكن الدولتين سائرتان الان في هذا الاتجاه بسرعة وتصميم. وما زالت واشنطن وبقية العواصم الحليفة لهما تراقب عن بعد ذلك التوتر الاستثنائي بينهما، وتتدخل على ادنى مستوى ممكن، وترسل التمنيات والرغبات في العودة الى اجواء التصالح والتحالف السابقة للاعتداء الاسرائيلي السافر على سفينة «مرمرة» التركية العام الماضي… والسابقة ايضا لبدء التنقيب الاسرائيلي عن النفط والغاز المتوسطي في المياه القريبة من قبرص وشطرها الشمالي التركي.
الاعتداء على «مرمرة» دافع رئيسي للتوتر، وقد كان حسب رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان سببا للحرب، لكنه لم يكن سببا كافيا، ولا طبعا الحصار الاسرائيلي على قطاع غزه… مع انه كان ولا يزال مسرحا مهما لقياس نفوذ الدولتين المتنافستين ودورهما، ولرسم حدود المصالح بين اسرائيل التي تعتبر نفسها القوة الحاسمة في شرق المتوسط، وبين تركيا التي تعتبر ان هذه المنطقة هي مجالها الحيوي، على مختلف المستويات الاقتصادية والسياسية، واخيرا المستوى الخاص بمصادر الطاقة، التي اكد اردوغان صراحة انه لن يسمح للاسرائيليين باستغلالها وحدهم، واصدر الامر الى ثلاث فرقاطات تركية للقيام بمهام الدورية في شرق المتوسط، كما اصدر الامر الى سلاح الجو التركي بان يشطب الطيران الحربي الاسرائيلي من لائحة الاصدقاء.
لا حاجة الى الاستنتاج ان تركيا مصممة على المضي بالتوتر الى حافة الاشتباك العسكري، الذي بات يمكن ان يحصل في اي لحظة في مياه المتوسط او في اجوائه. ولا حاجة الى البرهان على ان اسرائيل لم تقدم حتى الان، وعلى الرغم من الكثير من النصائح الاميركية والغربية، اي تنازل لا في البحر ولا في البر ولا في الجو من شأنه ان يوقف تدهور علاقاتها مع احد اهم حلفائها في العالم الاسلامي.
الاندفاع الى حافة الحرب يتسارع يوما بعد يوم، لكنه لا يعني ان تبادل اطلاق النار ليس حتميا… برغم ان الجمهور العربي يحلم بيوم يسمع فيه خبر اغراق البحرية التركية لمدمرة اسرائيلية، او خبر قيام الطيران التركي بالاغارة على المنصات الاسرائيلية للتنقيب عن الغاز في المتوسط.

