بالتاكيد ان الثورة السورية… قد خف اوارها بعد الرد الناري الذي مارسته السلطة هناك. هذا الرد القاسي لا شك اسكت المعارضة او في احسن تقدير خفض صوتها، مقارنة بما كانت عليه قبل شهرين تقريبا. الاهم من ذلك هو كيف نحدد قناعاتنا وتوقعاتنا حول ما جرى والذي سيحصل.
الشيء المؤكد ان سورية اليوم والمستقبل، ليست سورية ما قبل الربيع العربي. سورية اليوم تختلف في عيون ابنائها حيث امتدت الفجوة وكبرت في ما بين السلطة والشعب. الناس لم يعودوا لا يتخوفون من القبضة الحديدية فحسب، بل تلمسوها عن قرب، بعدما قدموا لحريتهم مئات بل آلاف القرابين بين شهداء ومصابين. نعم لا شك ان النظام السوري وقف حاجز صد امام الاسرائيليين والتوسع الغربي في المنطقة، لكن هذه الحسنة بالتأكيد لا تذهب بسيئات ضرب وقتل المواطنين. طبعا قد يستغرب البعض ويستشكل هل هناك تناقض في الحديث! ابدا، الاجرام الذي تمارسه السلطة السورية بحق ابنائها لا يعني انه لا توجد فيها حسنات، لكن تظل هذه حسنة والاعتداء على المواطنين جريمة.
نعم نصدق كما تدعي السلطة بوجود من يريد التلاعب بأمن سورية، وهو ادعاء على الاقل انا مقتنع به شخصيا، لكن لو استعد النظام لهذا الامر منذ عشرات السنين، ولو انصف شعبه ولو لم يحكم بالقبضة الحديدية لكان القول مختلفا تماما اليوم.
الشيء المؤكد الثاني ان استرداد النظام السوري لزمام المبادرة والسيطرة من جديد سيسعد اعداءها والحانقين عليها قبل محبيها ومريديها. النظام السوري تقريبا… النظام الثاني بعد البحرين الذي استطاع ليعيد الامور لنصابها على اعتبار ان ثلاثة انظمة سقطت لحد الآن، واليمني يترنح وعلى وشك الانهيار. البحرين الوحيدة استطاعت وبالقوة ان تستقر، ومن بعده النظام السوري. فهذا الامر وبرغم مرارته بالنسبة لاعداء النظام السوري، الا ان الانظمة التي تخشى على نفسها سوء العواقب، هي بالنهاية لا تريد للشعوب ان تكون هي من اسقطت انظمتها. فهذه انظمة قمعية شمولية مغرورة وتريد ان تحدد هي مصير شعوبها لا العكس، ومن ثم فان سقوط النظام السوري- برغم الكراهية الشديدة- الا انه في الوقت نفسه سقوط مزعج لها وتعزز قناعة الشعوب بنفسها وقدرتها، وتفتح عيونها عن مدى التردي والتخلف والتسلط والذل التي تعيشها هي بسبب انظمتها الفاسدة!
اما الامر الثالث هو ان سوريا لن تكون قادرة على اعادة عقارب الساعة للوراء، واعادة سلطانها الدموي كالسابق، بالضبط كقناعة الشعب السوري بانه قد كسر الخوف ولم يعد يخشى الالة العسكرية. فالقناعة الجديدة ان تعادل ميزان الهيبة بات واقعا جديدا للدولة السورية و«الجوار». على هذا الاساس الجديد سيحقق الشعب السوري مكتسبات جديدة بلا شك وسيكون منعطفا تاريخيا لها وللمنطقة بأسرها.

