صارخا من قلب قلبه وكأنّه يفرغ مكنونات مكبوتة تختزنها نفسه منذ عقود، وقف وليد جنبلاط قبل أربعة أعوام خطيبا في ساحة الشهداء، فلم يترك حيوانا في البحر والبر والماء إلّا واستدعاه من كتاب "كليلة ودمنة" ليشبّه به الرئيس السوري بشّار الأسد، علما أنّ ملك الغابة قد يكون الحيوان الوحيد الذي استثناه جنبلاط من حفلة زجله الشهيرة، التي حصدت تجاوبا هستيريا من مئات الآلاف الذين احتشدوا في ساحة الشهداء لإحياء ذكرى الرابع عشر من شباط.
بالطبع لم يكن أحد من الذين صفّقوا في حينها لمصطلحات البيك الجريئة يتوقع أن يشاهده بعد عامين تقريبا يؤدّي حركة هز رجله الشهيرة على الكرسي المخصص للضيوف في قصر الشعب السوري، فيما الأسد على الكرسي المقابل له يتحدث إليه تحدّث الواعظ الناصح. لم يتوقع أحد ذلك، لكن هذا ما حدث بالفعل، مسبوقا وملحوقا بطبيعة الحال برحلة "الكعب الداير" التي فُرض على جنبلاط أداؤها لقبول توبته، والتي شملت في محاولة الإذلال السياسي كل من استعان الرجل بكتاب ابن المقفع لوصفه، بدءا بالوزير السابق وئام وهاب وليس انتهاء بالرئيس السابق للجمهورية إميل لحود. على أي حال قبلت التوبة، وصار جنبلاط، ووفقا لطريقته المعهودة في "تغدي" نفسه قبل أن يتعشاها الآخرون، ينتقد سنوات "غربته" الأربع في صفوف قوى الرابع عشر من آذار، واصفا تلك السنوات بأنها لحظة تخلٍّ مرّ بها تحت ضغط الأحداث، بينما أخذت سوريا ومعها حلفاؤها في لبنان يبحثون عن أسباب تخفيفية ويكرّرون الخطاب الممجوج عن عودة الزعيم الاشتراكي إلى موقعه "النضالي الطبيعي"، علما أنّ نسف خطاب كهذا يكفيه الاستماع إلى تصاريح سابقة لمسؤولين في "حزب الله" وغير "حزب الله" لم تكن تتذكر من نضال الإبن الضالّ سوى لقائه الشهير بشمعون بيريز في بيت الدين بعد الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982. لذلك، ولأنّ السذاجة ليست صفة من صفات جنبلاط، ولا صفة من صفات حلفائه القدماء الجدد – أغلبهم على الأقلّ- فإنّ كلاهما، وبغضّ النظر عمّا قيل في الإعلام، كان يلعب مع الآخر "عالمكشوف"، فسوريا العارفة بمشاعر إبن كمال جنبلاط تجاهها، كانت مدركة أنّ عودته إلى الحضن السوري لم تكن اشتياقا إلى ضمّة من "أبو عبدو"، بل محاولة منه للالتحاق بمحور بدا لوهلة معيّنة في طريقه إلى الانتصار، تماما كما أنّ زعيم المختارة كان يدرك أنّ قبول توبته لم يكن من باب الشفقة عليه، بل من باب الحاجة إليه لبنانيّا وسوريّا، ففي بلاد الأرز لم تثمر محاولات السنين العجاف لتحجيم زعامته الطائفية إلا مزيدا من الالتفاف الدرزي حوله، تماما كما أنّ صوره وصور والده ظلّت تنافس صور الأسد على صدارة البيوت في جبل الدروز، حتى في عز التوتر بينه وبين النظام الحاكم في دمشق.
ولأنّ سوريا بلد إقليمي نافذ يزيد تعداد سكانه عن العشرين مليونا، بينما جنبلاط، مهما بلغ نفوذه، وهو زعيم طائفة يقلّ عدد أبنائها عن المليون، فقد كان متوقّعا، وفقا للمنطق، أن تبقى اليد الطولى في العلاقة لدمشق من دون أن يجرؤ جنبلاط على رغم ذلك على أن يضلّ طريقه مجددا.
بالفعل، فإنّ هذا ما كان إلى أن هبّت رياح الثورات وأنصاف الثورات على العالم العربي، ووصلت إلى عاصمة الأمويين فهزّت أركان الحكم فيها.
حينها لم يعد جنبلاط مجرّد حاجة سوريّة، بل صار حاجة ملحّة وخصوصا أنّ بوادر البعد الطائفي لما يجري من أحداث بدأت تلوح في الأفق…
أخذت وتيرة الانتقاد الجنبلاطي ترتفع تدريجا حتى بات كثيرون يستشعرون انعطافة جديدة، ويراهنون على قرب الطلاق البعثي الاشتراكي.
ماذا حدث بين جنبلاط ومحمّد ناصيف؟
وعلى رغم أنّ هذا الأمر يبقى واردا في كل لحظة، فإن ما رشح عن أجواء الاجتماع بين جنبلاط واللواء محمد ناصيف مطلع الأسبوع الماضي، لا يوحي بقرب حدوثه.
وحسب ما نُقل من أجواء عن اجتماع دمشق، فإنّ جنبلاط أكّد لناصيف أنه لا يزال في موقف الداعم لرأس النظام، وأنه ليس في وارد تغيير هذا الموقف، وبالتالي فإنّه، وبنتيجة اتصالاته مع المشايخ وأعيان العائلات في المناطق الدرزية في سورية، يستطيع أن يؤكد أن الشارع الدرزي، وبغضّ النظر عن موقف قد يصدره مثقف من هنا أو ضابط من هناك، ليس في وارد الانضمام إلى الحركات الاحتجاجية، لكنّه في الوقت عينه لن يكون – أي جنبلاط – قادرا على منع نفسه من توجيه الانتقادات إلى الأداء السياسي والأمني لحزب البعث ما دامت مسيرة الإصلاح الفعلي لم تبدأ بعد.
وحسب ما نُقل، فإنّ جنبلاط أوضح أنّه مضطرّ إلى اتخاذ مواقف كهذه لا للحفاظ على الحد الأدنى من الانسجام بينه وبين نفسه، بل أيضا لتنفيس الاحتقان لدى دروز سوريا الذين يشعرون بالغضب جرّاء ما تقوم به الأجهزة الأمنية من قمع دموي للمتظاهرين تماما، كما أنّ مواقفه قد تخفف من حدّة الضغط عليهم تحديدا من قبل الشارع السنّي الذي بات يردّد علنا أن الدروز خذلوا السنة مرتين، مرة في لبنان ومرّة في سورية…
جدّد البيك المبايعة للنظام إذا لكنّه لم يجدّد من دون أن يطلب، ولائحة المطالب طويلة، حسب ما قيل، وأهم ما فيها مطلبان.الأوّل هو إسناد منصب محافظ الجنوب إلى مرشّح الحزب الاشتراكي، وإقناع النائب طلال إرسلان بسحب مرشّحه (مالك إرسلان). وقد أبلغ إلى جنبلاط أنّ هذا أمر مقدور عليه.
والثاني هو تأمين مجرى مالي إلى المختارة يعوّض جفاف أنهر المال التي كانت تتدفق من الرياض والدوحة.
"هذا أيضا أمر مقدور عليه"، قال السوريون، فمن أوجد النفط في الخليج أوجده في طهران، ورقبة إيران سدّادة!

