مشكلة العلمانية في تركيا انها في حاجة دائمة الى حماية العسكر، ومشكلة العسكر أنه على العموم، محافظ سياسياً بحيث وجد نفسه عاجزاً عن مواجهة موجة تحديثية يقودها حزب إسلامي معتدل، بعدما ظل قادراً على قمع التيارات الدينية المتشددة. فحين اختلف الجنرالات مع زعيم حزب (الرفاه) نجم الدين اربكان كان هو من قدم استقالة الحكومة. وعندما اختلف الجنرالات مع رجب طيب أردوغان الذي خرج حزبه (العدالة والتنمية) من عباءة حزب (الرفاه) واربكان، كان على رئيس الاركان وقادة البر والبحر والجو الاستقالة تاركين (الإمرة) للقيادة السياسية.
وليس ذلك سوى محطة في مسار طويل منذ أقام مصطفى كمال أتاتورك جمهوريته وترك للعسكر دور حماية الجمهورية والعلمانية. ولم يكن الدور صعباً خلال زعامة عصمت اينونو ودينامية حزب الشعب الجمهوري. لكن المصاعب بدأت بعد رحيل اينونو واضطرار الجيش للقيام بثلاثة انقلابات على الحكام المدنيين وأحزابهم العلمانية لأسباب متعددة بينها كالعادة الفساد. وهي ازدادت صعوبة بسبب سياسة أميركا خلال الحرب الباردة التي اعتمدت (نظرية الحزام الأخضر) ومضمونها تقوية التيارات الاسلامية في تركيا وإيران والباكستان وأفغانستان للوقوف في وجه المد الشيوعي ومنع الاتحاد السوفياتي من التقدم في المنطقة. وهذا ما أضعف العلمانية في المجتمع.
ولم يكن صعود أردوغان وحزب (العدالة والتنمية) سوى تطور طبيعي في مناخ التراكم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي في تركيا. فالحكم عليه بالسجن عندما كان رئيس بلدية اسطنبول بسبب قصيدة (المآذن حزبنا) علّمه ضرورة الخروج من التشدد الى الاعتدال ليتمكن من قيادة حزب إسلامي ديمقراطي معتدل يستطيع الحكم في نظام علماني. ونجاحه لثلاث دورات انتخابية أعطاه قوة دفع بما جعله يسجل نقاطاً على العسكر وبقية الاحزاب، ويصل الى واحد من أهم الإنجازات، وهو محاكمة العسكر أمام محاكم مدنية. فهل اقتربت (جمهورية أتاتورك) من خط النهاية، بحيث فقد الجيش دوره السياسي ولم يبق من الجمهورية سوى صورة أتاتورك والأكاليل التي توضع على ضريحه? وهل يصل أردوغان الذي يسمى حالياً (السلطان) إلى إقامة (جمهورية أردوغان)?
المحطة المقبلة أمامه بعد إخراج الجيش من التحكم بالسياسة هي إعداد الدستور الجديد الذي ينقل البلاد الى نظام رئاسي يريد أردوغان أن يكون الرئيس الأول فيه. لكن العقبات ليست قليلة ولا سياسية فقط. فالمسألة تتجاوز العسكر ودوره إلى طبيعة البلد. إذ في العالم، كما يقول باحث تركي، ثلاثة أنواع من المجتمعات: (مجتمع مفتوح وعقول مفتوحة)، (مجتمع مغلق وعقول مغلقة)، و(مجتمع مفتوح وعقول مغلقة)، والثالث، في رأيه، هو حال تركيا.
وليس أصعب من دفع مجتمع مفتوح إلى أن يصبح مغلقًا سوى الرهان على أن تصبح العقول المغلقة مفتوحة.

