إذا كانَ الرئيس المكلّف تمّام سلام قد بدأ مهمّته باتّهامه بأنّ الأمير بندَر بن سلطان سمّاه، فكيف ستكون نهاية هذه المهمّة مع اتهام «حزب الله»، الأمير السعودي بالواسطة الإعلامية والسياسية، بالوقوف وراء تفجيرات الضاحية الجنوبية؟
أصبَحت مهمّة سلام أكثر تعقيداً، وهي تقترب من نهاياتها الحتمية، على رغم أنّ الخيار ضاقَ بين احتمالين، الاعتذار أو التأليف لتجاوز كل المخاطر.
ليس سرّاً أنّ سلام مرَّ بمراحل انتظار، ساهمت في تآكل مهمّته، لكن لم تمسّ حتى الآن بمصداقيته.
فالثوابت التي وضعها لتأليف الحكومة لا تزال ثابتة، ولكنها لم تعد تعني الكثير، بعد التهديد الذي تلقاه رئيس “جبهة النضال الوطني” النائب وليد جنبلاط، على شكل دراسة مقارنة في المساحات الجغرافية بين القُصير ومنطقتي الشوف وعاليه.
وتبعاً للدراسة عينها التي سرَّبتها غرفة عمليات “حزب الله”، لا تكاد دارة المصيطبة المحاطة بظواهر السابع من أيار، تظهر على الخريطة، ولن تسعفها رمزية الرئيس صائب سلام لتنجو من غضب مُسلط على كل من يفكر في تأليف حكومة حيادية.
وتبعاً لذلك، سيصبح من الصعب جداً على سلام أن يبادر حيث أحجَم جنبلاط، الذي أوفد ابنه تيمور، والوزير وائل أبو فاعور الى السعودية لإقناعها في السير بحكومة شراكة مع “حزب الله”، وليس للاقتناع منها بخيار تأليف حكومة حيادية.
لقد استنفدت مهمّة الرئيس المكلف الانتظار. فهو عندما سُمِّي بإجماع مفخَّخ، وضَع معايير لم يعد بإمكانه التراجع عنها، حتى ولو أخرَج ساحرٌ كرئيس مجلس النواب نبيه برّي أرنبه الشهير من تحت القبعة.
استنفدت هذه المهمة عندما امتنع سلام عن الافراج عن تشكيلته الحكومية في الأيام الأولى، فأدخلت عمداً في المهل المتتالية، وأغرقت بالتطورات التي أتت على عجل، فكانت زيارة الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله الى طهران وإعلان التدخل في سوريا، حجراً ثقيلاً على ظهر هذا التأليف، حيث ضاقت قدرة سلام على تقبّل مشاركة الحزب في الحكومة، لأنها ستعني تأمين غطاء لقتاله في سوريا.
بعد ذلك، دخلت المهمة في انتظار آخر ووعد سلام بالتأليف فور التمديد للمجلس النيابي، وكان لسان حاله يقول: “لن أنتظر لا شهر ولا شهرين”، ولكنّ الانتظار فرَض نفسه مرة ثانية، وكاد أن يتحوّل الى مفاجأة مع المواقف الأخيرة لجنبلاط الذي حاول تحريك ملف التأليف، ليتبيَّن بعد ساعات أنه غير جاهز لمغامرة من هذا النوع، وأنّ سلام غير قادر على أن يغامر بلا جنبلاط، وأنّ “حزب الله” كان قبل تفجير الرويس في كامل الجهوزية لتهديد جنبلاط، فكيف بعد هذا الانفجار الذي عطّل دور جنبلاط أكثر، وشكّل محاولة فرض حال طوارئ وترهيب سياسية، ستُلقي بثقلها ليس فقط على ملف تأليف الحكومة، إنما على الكثير من الملفات الأمنية.
إزاء هذا الواقع المقفل، دخلت مهمة سلام عملياً غرفة العناية الفائقة. صحيح أنه لم يستنفد المهل الطويلة التي تطلَّبها تأليف حكومتَي الرئيسين سعد الحريري ونجيب ميقاتي، لكنه بات أمام لحظة حقيقة صعبة تُملي عليه الاختيار بين الاعتذار والإقدام، ولكلا الخيارين أكلافهما الشخصية والسياسية والوطنية.
ففي ظلّ التأكد من تراجع جنبلاط عن السير في الحكومة الحيادية، وإثر تمسّك سلام بمعاييره التي تصطدم بما يريده “حزب الله”، وبفعل ظواهر العرقنة التي شهدتها الضاحية الجنوبية، بات تأليف الحكومة وفق هذه المعايير أمراً مستحيلاً، فهل سيلقي سلام تشكيلته الحكومية تحت عنوان “اللهم
أشهد أني قد بلغت”، مع علمه مسبقاً أنها ستلقى الرفض والمواجهة، أم سيتجرّع كأس الاعتذار الذي يشبه ختام رحلة لم تبدأ؟
بالتأكيد سيسلك سلام أحد الخيارين، لأنَّ تكرار استعمال عبارة: “لن أنتظر لا شهر ولا شهرين”، لم يعد ينطبق عليه توصيف الانتظار.

