تناول مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شينكر، في حديث صحفي، نشرته “النهار” مستجدات المشهد اللبناني عقب قمة واشنطن، مستعرضاً آفاق الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، والدور المحوري الذي تلعبه الولايات المتحدة في مراقبة وتنفيذ بنوده، إلى جانب تقييمه للعقبات الميدانية والسياسية التي تحيط بملف الانسحاب الإسرائيلي.
تقييم زيارة عون والمكاسب المحققة
وصف شينكر زيارة رئيس الجمهورية اللبناني العماد جوزف عون إلى البيت الأبيض بـ«الموفقة»، معتبراً أن الرئيس عون حظي باستقبال جيد ونجح في الالتزام بالرسائل الدبلوماسية التي أراد إيصالها إلى الإدارة الأميركية.
وأشار المسؤول الأميركي السابق إلى أن الزيارة حققت جملة من المكاسب لصالح لبنان، تضمنت:
- تعهدات أميركية رسمية بتقديم دعم إضافي وصارم لصالح الجيش اللبناني.
- تأكيدات مباشرة باستمرار التزام واشنطن بالاتفاق الإطاري المشترك.
- وعود إدارية بإطلاق خط رحلات جوية مباشرة بين بيروت والولايات المتحدة عند اكتمال الظروف اللوجستية.
عقبات التنفيذ ومحاولات العرقلة الإيرانية
وفي قراءته لفرص تطبيق الرؤية المشتركة على الأرض، لفت شينكر إلى وجود عقبات استراتيجية وميدانية كبيرة قد تعترض المسار، موضحاً أن الانتخابات الإسرائيلية الوشيكة قد تدفع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى التردد في اتخاذ قرار إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي والانسحاب من الأراضي اللبنانية.
وعلى المقلب الآخر، توقع شينكر أن يحاول «حزب الله» وبإيعاز من إيران تقويض أمن «المناطق التجريبية» عبر محاولة إعادة التسلل إليها ونقل الأسلحة، أو حتى إطلاق قذائف باتجاه إسرائيل لتحدي هيبة الدولة، مؤكداً أن المحك الأساسي سيكون مدى قدرة وجاهزية الجيش اللبناني على مواجهة هذا الوكيل للحرس الثوري الإيراني فعلياً على الأرض عند محاولته فرض سلطته.
وأضاف شينكر أن طهران ستحاول لعب دور المعرقل عبر الحزب، مستدركاً بأن «مذكرة التفاهم البائدة» التي كانت تربط لبنان بمضيق هرمز لم تعد ذات صلة قانونية أو سياسية إلى حد كبير اليوم، لكون الحكومة اللبنانية الحالية هي من تقود مسار تأكيد السيادة بدعم أميركي كامل وعبر فصل تام عن المسارات الإقليمية المعقدة.
طبيعة الضمانات الأميركية ونفوذ ترامب
وحول التشكيك الداخلي اللبناني في الضمانات الأميركية، ولا سيما من قِبل رئيس مجلس النواب نبيه بري، أوضح شينكر أن واشنطن تُعد طرفاً رئيسياً وشريكاً في هذا الاتفاق. وكشف أن الخطة المقررة تقضي بأن تلعب الولايات المتحدة وعبر القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) دور «الحكم» ضمن الآلية المعدلة، لتحديد ما إذا كان الجيش اللبناني يفرض سيطرته الفعلية على المناطق التجريبية التي تخلينها إسرائيل من البنية التحتية لحزب الله، مشدداً على أن الانسحابات الإسرائيلية تظل مشروطة بقيام الجيش اللبناني بمهامه وفق معايير عملياتية عالية.
ودافع شينكر عن قدرة الإدارة الأميركية على إلزام إسرائيل بالتعهدات، مشيراً إلى أن الرئيس دونالد ترامب يمتلك نفوذاً واسعاً وقد أجبر الحكومة الإسرائيلية في محطات سابقة على التراجع، مستشهداً بحدثين بارزين:
- الأول: منع ترامب الضربات الانتقامية الإسرائيلية عقب أول وقف لإطلاق النار مع إيران عام 2024، مما أجبر سلاح الجو الإسرائيلي على العودة في منتصف المهمة.
- الثاني: منع إسرائيل في وقت سابق من هذا العام من استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت.
استدامة الاتفاق والبدائل الحكومية
وطمأن شينكر الأوساط اللبنانية بأن الاتفاق الإطاري لا يرتبط بشخص الرئيس ترامب بل يحظى بمؤسساتية تضمن التزام أي إدارة ديمقراطية مقبلة بتنفيذه، معرباً في الوقت ذاته عن قلقه من احتمال حدوث تغيير في الحكومة اللبنانية نظراً لطول وقت العملية التشريعية، وموضحاً أنه من الصعب تصور التزام أي حكومة أخرى في بيروت (مثل حكومة برئاسة نجيب ميقاتي) بنزع السلاح والسلام والتطبيع بالقدر نفسه الذي تبديه السلطة الحالية.
شروط الانسحاب ومستقبل السلام والتطبيع
وجدد المسؤول الأميركي السابق التأكيد على أن إدارة ترامب ستضغط بقوة على إسرائيل للانسحاب من جنوب لبنان إذا قام الجيش اللبناني بواجباته الميدانية بالكامل، ملمحاً إلى أن الانسحاب سيكون تدريجياً ومبنياً على التحقق الميداني الصارم وليس على مجرد تعهدات شفهية، مذكراً بأن إعلان قيادة الجيش اللبناني في ديسمبر 2025 عن استكمال تفكيك بنية الحزب جنوب الليطاني لم يكن دقيقاً بالكامل على أرض الواقع.
وفي الختام، رجح شينكر أن بناء الثقة والوصول إلى سلام دائم وتطبيع في العلاقات سيستغرق وقتاً طويلاً، لافتاً إلى أن استطلاعات الرأي تظهر رغبة أغلبية اللبنانيين والإسرائيليين في إنهاء الحروب المستمرة التي يخوضها حزب الله، مما يمهد لعودة تدريجية للأهالي إلى الجنوب والشمال وإعادة الإعمار، ومشيراً إلى أن التغير المحتمل للحكومة الإسرائيلية الحالية في أكتوبر المقبل قد يساهم في دفع هذا المسار نحو الأمام.

