قانون العفو العام بين رفع المظلومية وحسابات التسييس.. هل تنجح جبهة البرلمان في فك شفرة الملف الإنساني المعقد؟

العفو العام

عادت أروقة المجلس النيابي اللبناني لتشهد حراكاً تشريعياً وسياسياً بالغ الحساسية عقب تعثّر إقرار قانون العفو العام في الجلسة التشريعية الأخيرة. ودخلت الاتصالات والمشاورات مرحلة سباق مع الوقت بغية صياغة اقتراح قانون جديد يحظى بالتوافق الوطني المطلوب وتفادي تكرار سيناريو التعطيل السابق، وسط تقاطع لافت بين الحراك النيابي والتحركات الميدانية لعائلات الموقوفين المطالبين بإنهاء المظلومية التاريخية لملف أهالي الموقوفين الإسلاميين.

كواليس التحرك السني واجتماع الساعة الواحدة الحاسم

وأفيد بأن العمل يتركز حالياً في الدائرة النيابية السنية بغية التوصل إلى مسودة موحدة وشاملة للقانون، حيث يُشكل تباين المواقف بين النواب أنفسهم العائق الأكبر الذي قد يطيح بالملف برمته ويهدد بتكرار سيناريوهات الفشل السابقة.

وفي هذا السياق، يبرز حدث تشريعي وتنسيقي مفصلي يتمثل في الاجتماع المقرر عقده اليوم عند الساعة الواحدة ظهراً في مقر مجلس النواب والذي يجمع النواب السنة، حيث يُنتظر من هذا اللقاء تحديد الأولويات التالية:

  • بلورة صيغة تشريعية موحدة: تجاوز الانقسامات البرلمانية الداخلية وصياغة مقترح يحظى بإجماع المكونات السنية قبل طرحه على بقية الكتل.
  • إدراج القضايا الحساسة: تشير المعطيات إلى أن أي مقاربة حكيمة ومسؤولة لملف العفو العام يجب أن تشمل قضايا بالغة الحساسية والتأثير وفي مقدمها قضية «الشيخ أحمد الأسير» لضمان سلوك القانون مساره التشريعي الطبيعي.
  • الربط مع السراي وعين التينة: تؤكد المصادر أن النفاذ الفعلي للصيغة النهائية يرتبط بمسارين أساسيين يمر الأول عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري ويمر الثاني عبر رئيس الحكومة نواف سلام لضمان الميثاقية والتوافق الإداري والسياسي.

سجال «القوات اللبنانية» ومحور «الممانعة».. معركة تحريف المواقف

على المقلب الآخر من المشهد، اشتعلت الجبهة الإعلامية والسياسية بين معراب والقوى المؤيدة لـ«حزب الله» على خلفية اتهامات متبادلة بالتلاعب ببنود قانون العفو واستغلاله للمكاسب السياسية. وفي رد حاسم ومفصل، أصدرت الدائرة الإعلامية في حزب «القوات اللبنانية» بياناً أكدت فيه أن موقف رئيس الحزب سمير جعجع من قضية العفو واضح تماماً ولا يحتمل أي التباس أو تأويل.

وشددت القوات اللبنانية في بيانها على النقاط الاستراتيجية التالية:

  • تأييد تعديلات الأكثرية السنية: كشفت القوات أن ممثلين عن الأكثرية السنية النيابية كانوا قد اجتمعوا مع رئيس الحكومة ونفذوا تعديلات أساسية تحقق الغاية المرجوة من القانون، مؤكدة أن الحزب سارع فوراً إلى إعلان تأييده ودعمه الكامل لهذه التعديلات المتفق عليها.
  • إتهام نواب الممانعة بالتضليل: هاجم البيان بشدة عدداً قليلاً من النواب معتبراً أنهم يواصلون التلاعب بالوقائع وتشويه الحقائق خدمة لأجندات ومصالح «محور الممانعة»، ويهدفون إلى تمرير صيغة مجتزأة لا تحظى بموافقة نواب السنة وتقتصر على استثناء فئة محددة من الموقوفين بما يخدم مصالح «حزب الله» حصراً.
  • تحدي بري بجلسة علنية: لقطع الطريق على حملات التضليل، وجه سمير جعجع دعوة مباشرة إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري يطالبه فيها بالدعوة العاجلة الفورية لعقد جلسة نيابية مخصصة لإقرار قانون العفو العام، وذلك حتى «يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود» وتنكشف الجهات التي تقف فعلياً إلى جانب رفع الظلم عن المواطنين من الجهات التي تستغل هذا الملف الإنساني لتحقيق مكاسب فئوية ضيقة.

العوائق القانونية والسياسية وموقف الأهالي

تواجه الجلسة المرتقبة والمساعي التشريعية الحالية شبكة معقدة من العوائق التي تتمحور حول شمولية العفو العام وتصنيف الجرائم المشمولة به:

  • معضلة الاستثناءات والتصنيفات: تدور الخلافات العميقة حول وضع حدود واضحة بين رفع المظلومية وتخفيض العقوبات بصورة عادلة منسجمة مع السياقين التشريعي والقانوني، وبين رفض منح عفو شامل للجرائم التي مست الأمن الوطني أو أدت إلى استهداف المؤسسات العسكرية.
  • حراك عائلات الموقوفين: على الرصيف الموازي للحراك النيابي، أكدت مصادر مقربة من عائلات وأهالي الموقوفين الإسلاميين مواصلة تحركاتهم الميدانية والسياسية، حيث من المرتقب استكمال سلسلة من الزيارات واللقاءات المكثفة مع القيادات الروحية والسياسية التي ترفع شعار إنهاء المعاناة وتتعامل مع هذا الملف الإنساني بصدق وشفافية بعيداً عن الاستثمار الطائفي أو الانتخابي.

يقف ملف العفو العام اليوم عند مفترق طرق حاسم، فإما أن ينجح النواب السنة في اجتماعهم البرلماني في صياغة مسودة موحدة ومقنعة لبقية الشركاء في الوطن مدعومة بتأييد كتل وازنة ككتلة «القوات اللبنانية»، وإما أن تنجح التجاذبات والحسابات الضيقة لـ«محور الممانعة» في إبقاء الملف داخل دائرة التعطيل، مما يعيد الأزمة إلى المربع الأول ويفتح الباب أمام جولة جديدة من السجالات السياسية والتصعيد في الشارع.

السابق
مرجعية الدولة أولاً.. وزير الإعلام يؤكد تراجع الهواجس الأمنية لواشنطن وقرب إطلاق الرحلات الجوية المباشرة
التالي
«احكيلي يا جنوب»: حين تستعيد الذاكرة بيوتَها