«احكيلي يا جنوب»: حين تستعيد الذاكرة بيوتَها

اختار مشروع «احكيلي» هذا العام الجنوب ليضمّه مجدّدًا إلى مشروعه. فبعد التواصل مع العديد من الشبّان والشابّات الجنوبيين، بغية وضع مقتنياتهم الجنوبيّة أو تقديم أي فكرة بصريّة–سمعيّة تخدم المشروع، تجلّت عبارة «احكيلي يا جنوب»، وكأنّ الجنوب المثقل بالدمار والاحتلال والإبادة والموت والركام يخاطب الزائرين ويخبرهم عن آثاره الجميلة النفيسة التي تشكّل هويّته الحسّيّة والثقافيّة والاجتماعيّة والتراثيّة. هو المشروع الذي جمع الفكرة وحوّلها من طابع تاريخيّ سياسيّ إلى طابع فنّي تذكاري ذي أبعاد إنسانيّة. وقد استفاد من المبنى المكوّن من ثلاثة طوابق، والذي كان في الأساس مبنى سكنيًّا، وحوّلت شققه إلى مساحات شاهدة على أحداث وحروب وآلام، لنكون أمام مساحة نقاش وتحليل وتفكير تطال الزائر بقدر ما تطال أصحاب المشاريع أو المقتنيات.

من الصور الفوتغرافيّة في المعرض

الجنوب يروي ذاكرته وقبله ذاكرة الحرب الأهليّة

“احكيلي”، المنبثق من جهود المجتمع المدني بدأ كفكرة من تأريخ المآسي التي تركتها الحرب الأهليّة اللبنانيّة، بمناسبة مرور خمسين عامًا على انطلاقها، لكنّها قبل عام واحد تطوّرت في «بيت بيروت»؛ البيت الذي عُرف تاريخيًّا كنقطة ارتكاز للقنّاصين، كون موقعه يُعدّ نقطة في خطّ تماس في العاصمة اللبنانيّة بيروت. وأصبح فعل «احكيلي»، الذي يُعدّ مطلعًا لأغنية السيّدة فيروز «احكيلي، احكيلي عن بلدي، احكيلي»، يشمل الجنوب اللبناني، الذي لا تزال قراه وبلداته ترزح تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2024 حتى يومنا هذا.
إذا أردنا الحديث عن «احكيلي يا جنوب»، يمكننا تقسيم المعرض أو المشروع إلى قسمين: بصري، وبصري–سمعي.
أمّا فيما يتعلّق بالقسم البصري، فاللافت كان التركيز على أدقّ التفاصيل. ولعلّ اختيار القيّمين على المشروع للمبنى من اجل عرض المقتنيات، أتى لتعزيز الحسّ الخيالي لدى الزائر لصياغة المشهد والعثور على دلالاته. فالمفاتيح المعلّقة في السقف، على سبيل المثال لا الحصر، تتجاوز بوجودها فكرة «آخر ما تبقّى من البيوت الجنوبيّة المدمّرة أو المتضرّرة»، نحو فكرة أنّ حيوات كثيرة تمّ القضاء عليها.
كما أنّ الملفات التي تحتوي على رسائل كتبها عدد من الجنوبيين بلغة عفويّة عن قراهم وبيوتهم، تؤكّد مقولة غاستون باشلار، من أنّ البيت هو كوننا الأوّل. وحين نذكر مفردة «الكون»، لا يمكننا أن نتغافل ونتناسى الجغرافيا التي تجسّدت في المساحة بخريطة جغرافيّة لجنوب لبنان، ضمّت صورًا لجنوبيين وُضعت على كلّ نقطة تحمل اسم قرية أو بلدة أو مدينة جنوبيّة.

سند تمليك ومفتاح أحد البيوت في بنت جبيل

مقتنيات يوميّة في مواجهة ثقافة الموت

لم تغب الفوتوغرافيا عن المشهد؛ فالصور الفوتوغرافيّة احتلّت مساحة كبيرة من حوائط الشقق. وعلى الرغم من بساطة التفاصيل، مثل «الأسرّة، وإبريق النايلون، وغرف النوم، وشجرة الزيتون، إلخ…» فإنّها تشكّل رمزًا من رموز التمسّك بالحياة ورفض ثقافة الموت وتعقيداتها وعبثيّتها.
لم ينتهِ المشوار البصري عند هذا الحدّ. فخلال تأمّل الحوائط والأبواب التي اتّخذت ألوانًا ومنحًا متقادمة، يمكننا ملاحظة عدّة طاولات ضمّت مقتنيات عديدة تعود إلى أشخاص ربّما فارقوا الحياة منذ زمن، أو أنقذوا ما استطاعوا إنقاذه من بيوت وقرى أصبحت رمادًا.
فعلب السجائر، وسندات التمليك، ومعدّات الرسم، وصحون الطعام، والطاولات والكراسي القديمة، فضلًا عن الأثاث الجنوبي العتيق، أعطت البقع والمساحات طابعًا جنوبيًّا، تشعر الزائر بأنّه في بيت جنوبي حقيقي.

بقايا أدوات رسم لأحد الرسامين الجنوبيين الذي فقد بيته

“منطقة عازلة”… ذاكرة كفركلا

أمّا القسم البصري–السمعي، فهو الأكثر تأثيرًا في الزائر. فالأفلام القصيرة والتقارير والمقابلات التي أُجريت مع عدد من الجنوبيين الذين فقدوا بيوتهم والإقامة في قراهم وأحبّاءهم، كانت بمثابة ردّ مباشر وواضح على المجازر والإبادات التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023.
يمكننا أن نتّخذ فيلم الشابّة الجنوبيّة فرح برو وحكايتها مع قريتها كفركلا مثالًا على ذلك. فرح، التي استخدمت اللغتين الإنجليزيّة والعربيّة، بالإضافة إلى اللهجة اللبنانيّة الجنوبيّة، لوصف الدمار الوحشي الذي طال القرية، بدءًا من أشجار الزيتون والبساتين التي تعرّضت لقصف فسفوري، فضلًا عن البيوت التي أصبحت ركامًا، جهدت برو في إبراز أصوات ذويها وعدد من أهالي القرية الذين تواجدوا فيها قبل أن تصبح تحت الاحتلال.
الفيلم الذي اتّخذ عنوان «منطقة عازلة» تضمّن أيضًا مشاهد لمساحات في القرية قبل الدمار وبعده. ولم يكن فيلم فرح برو مبتذلًا في الحديث عن ذاتها وعن قصّة عائلتها مع الاحتلال الإسرائيلي، بل على العكس، روت القصّة بعفويّة وعاطفة وإحساس كبير، مع الكثير من الصمت بين الفكرة والأخرى، كأنّها تريد أن تعطي المستمع والمشاهد مساحة للتعبير عن شعوره ومشاعره في دواخله.
أظهرت برو قصّة جدّها الذي اعتُقل في تسعينيّات القرن الماضي من قبل جيش الاحتلال، وتوفّي في السجون الإسرائيليّة، بسلاسة. اختارت أن تظهر صور جدّها الخاصّة مع بناته وأبنائه، وصور منزله الذي أصبح رمادًا وركامًا اليوم. ولم يغب عنها أن تتحدّث عن مأساة وفاته وعدم تسلّم جثمانه إلا بعد صفقة تبادل الأسرى عام 2004. والمفارقة أنّ جيش الاحتلال سلّم عائلة برو الجثمان الخطأ في البداية، لتكون الجنازة جنازتين، على حدّ تعبير فرح.
قصص كثيرة صُوّرت مع العديد من الشبّان والشابّات الجنوبيين، وكلّ فيلم يُعرض في المساحة التي تضمّ مقعدًا أو كنبة وسماعة على مدار النهار.

صور فوتغرافيّة لأثاثات بيوت جنوبيّة

حين يطيل الزائر إقامته أمام الذاكرة

الثابت أنّ الزوّار القادمين إلى المساحة أو إلى «بيت بيروت» اختاروا أن يستنزفوا أوقاتهم لتأمّل كلّ شيء ومشاهدة كلّ ما تمّ عرضه للمشاهدة.
معرض «احكيلي» مستمرّ في فتح أبوابه أمام زوّاره من الأربعاء حتى نهار الأحد، من الساعة الثانية عشرة ظهرًا حتى الساعة الثامنة مساءً. وسيُقفل المعرض في 26 تموز، ومن المحتمل أن يعاود نشاطه ضمن نطاق آخر مختلف عن «احكيلي يا جنوب»، بدءًا من شهر أيلول المقبل.

السابق
قانون العفو العام بين رفع المظلومية وحسابات التسييس.. هل تنجح جبهة البرلمان في فك شفرة الملف الإنساني المعقد؟
التالي
«لن ندخل العام الدراسي إلا متفرغين».. هل تدفع مماطلة السلطة بملف أساتذة الجامعة اللبنانية نحو عام دراسي أبيض؟