لا يزال ملف «جمعية مؤسسة القرض الحسن» يتأرجح بين مسارين متناقضين، الأول يتمثل في محاولات «حزب الله» المستمرة لإعادة تفعيل فروع الجمعية وإعادتها إلى الواجهة مجدداً بعد الضربات الحربية الإسرائيلية العنيفة التي استهدفت بنتيها التحتية والمؤسساتية، والمسار الثاني يقوده وزير العدل اللبناني عادل نصار الذي أحال ملف الجمعية إلى النيابة العامة التمييزية للتحقيق في الشبهات المحيطة بها والمتعلقة بجرائم تبييض الأموال.
تحدي المرجعيات الرسمية: فرع جديد في صور يثير مخاوف السكان
لم تنحسر الإشكاليات المتشعبة والمتعددة حيال هذه المؤسسة المثيرة للجدل، ففي شهر أيار مايو المنصرم وجه الأمين العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم وعيداً مباشراً إلى الحكومة اللبنانية ملوحاً بنزول الناس إلى الشوارع في حال اتخاذ أي قرار يقضي بإقفال جمعية مؤسسة القرض الحسن.
وفي خطوة تعكس إصرار الحزب على الخروج عن مشورة المرجعيات اللبنانية الرسمية في كل قراراته المتعلقة بالمؤسسة، أقدم الحزب على استئجار مبنى وافتتاح فرع جديد لـ «القرض الحسن» في مدينة صور الجنوبية، وجاءت هذه الخطوة تزامناً مع اعتراضات أهلية واسعة من الجوار وتوقيع عريضة من قبل القاطنين في المكاتب والشقق السكنية المحيطة، حيث أكد الأهالي في عريضتهم أن المقر الجديد للمؤسسة يعرض حياتهم وأملاكهم لخطر الاستهداف العسكري المباشر.
معطيات وزارة العدل: إحالة للشبهات وصلاحيات معلقة
في المعطيات الخاصة التي أدلت بها مصادر وزارة العدل اللبنانية لصحيفة «النهار»، تبين أن الشبهات المرتبطة بتبييض الأموال والتي تناولتها التقارير الإعلامية والأجواء اللبنانية العامة حول المؤسسة، كانت الدافع الأساسي والتحفيزي للوزير عادل نصار لكي يسطر كتاب إحالة الملف إلى النيابة العامة التمييزية في شهر حزيران يونيو المنصرم بهدف مكافحة تبييض الأموال.
إقرأ أيضا: وزارة الاقتصاد ترفع سعر ربطة الخبز رسمياً إلى 75 ألف ليرة
وأوضحت مصادر الوزارة لـ «النهار» أن مهمة الوزير نصار انتهت قانوناً بمجرد إحالة الملف، طالما أنه لا يملك الصلاحية الدستورية لإجراء التحقيقات القضائية من خلال وزارته ولا يمكنه التدخل مطلقاً في عمل النيابة العامة التمييزية، وأضافت المعطيات أن الوزير نصار لم يتقدم بأي طلب لإقفال المؤسسة نظراً لأن التأكد من مخالفتها لقانون الجمعيات يقع حصراً ضمن صلاحيات وزارة الداخلية اللبنانية وليس وزارة العدل.
الكواليس القضائية: النيابة العامة تنتظر مصرف لبنان
طرحت هذه التطورات تساؤلات حيوية حول مصير إحالة وزير العدل ومدى قدرة النيابة العامة التمييزية على إجراء التحقيقات أو إصدار قرار حاسم في هذا الملف المعقد.
الواقع القضائي الحالي: كشفت معطيات قضائية خاصة أدلت بها مصادر لصحيفة «النهار» أن الملف الذي أحاله الوزير نصار لا يزال قابعاً على حاله في الأدراج ولم تشهد القضية أي مباشرة في الإجراءات القانونية، وأكدت المصادر لـ «النهار» أنه لن تصدر أي قرارات عن النيابة العامة التمييزية ما لم يتدخل مصرف لبنان بشكل مباشر عبر إرسال مستندات كاملة وموثقة حول المخالفات المالية الخاصة بجمعية مؤسسة القرض الحسن، لأن التحقيق والتدقيق في اكتشاف تبييض الأموال ليس من المهام التقنية للنيابة العامة بل من اختصاص هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان، وتبين كذلك أن النيابة العامة التمييزية لم تطلب من مصرف لبنان تزويدها بهذه المستندات حتى الساعة وستبقى في موضع انتظار وصولها قبل وضع الملف على طاولة القرار.
وخلصت المعطيات القضائية المنشورة عبر «النهار» إلى أنه ليس هناك أي قرار قضائي سيصدر عن النيابة العامة التمييزية يقضي بإقفال جمعية مؤسسة القرض الحسن سواء في شق مخالفة قانون الجمعيات أو تعامل الجمعية في معاملات مصرفية خارج نطاق ترخيصها، ما لم ترسل الحكومة اللبنانية كتاباً رسمياً مدعوماً بمستندات من وزارة الداخلية تثبت مخالفة قانون الجمعيات، لتصبح المحصلة أن الملف أحيل قضائياً لكنه لن يوضع على طاولة القرار الفعلي إلا إذا تحرك مصرف لبنان وحقق في شبهات تبييض الأموال وأحال نتائجه رسمياً إلى القضاء التمييزي.

