لم تكن العودة التدريجية لأهالي زوطر الغربية مجرد حدث إنساني، بل حملت أبعاداً سياسية وأمنية تتجاوز حدود البلدة الجنوبية. فانتشار الجيش اللبناني بعد عمليات التطهير، ومواكبته عودة السكان، يعكسان انتقال تنفيذ التفاهمات الأخيرة من مرحلة التعهدات إلى التطبيق الميداني، في رسالة تؤكد أن الدولة تسعى إلى استعادة دورها المباشر في إدارة المناطق الحدودية بعد سنوات من التعقيدات الأمنية.
المشهد الذي شهد ازدحاماً للأهالي العائدين إلى منازلهم، حتى اضطر كثيرون إلى إكمال الطريق سيراً على الأقدام، شكّل صورة رمزية لرغبة الجنوبيين في استعادة حياتهم الطبيعية، لكنه في الوقت نفسه يضع الدولة أمام مسؤولية أكبر تتمثل في تثبيت الأمن وإطلاق ورشة إعادة الإعمار وتأمين مقومات الصمود، لأن العودة لا تكتمل بمجرد فتح الطرق، بل تحتاج إلى بيئة مستقرة تمنع تكرار النزوح.
لقاء واشنطن يبدأ مرحلة التنفيذ
في موازاة التطورات الجنوبية، بدت نتائج زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن تدخل مرحلة المتابعة العملية. فالاجتماع الذي عقده مع رئيس الحكومة نواف سلام لم يكن بروتوكولياً، بل خُصص لتقييم المباحثات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكبار المسؤولين الأميركيين، وترجمة ما تحقق إلى خطوات تنفيذية.
وأبرز ما حملته المواقف الرئاسية كان التشديد على أن الوقت قد حان لإنهاء الحرب نهائياً، باعتبار أن استمرارها يحرم لبنان من فرص النهوض الاقتصادي واستعادة الاستثمارات. كما أعاد عون التأكيد على أولوية استكمال الانسحاب الإسرائيلي الكامل، ودعم الجيش اللبناني ليكون الجهة الوحيدة القادرة على تثبيت الأمن في الجنوب.
وفي هذا السياق، اكتسب طرح رئيس الجمهورية بشأن الإبقاء على القوات الدولية أو إيجاد قوة بديلة إذا تعذر التجديد لها أهمية خاصة، إذ يعكس إدراكاً رسمياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مظلة دولية تساعد الجيش على استكمال مهماته في إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة وتثبيت الاستقرار.
الجيش في قلب المعادلة الجديدة
لم يكن اجتماع الرئيس عون مع وزيري الدفاع والداخلية منفصلاً عن هذا المسار، بل جاء لترجمة الأولويات الأمنية على الأرض. فتعزيز انتشار الجيش في البلدات الجنوبية، بالتوازي مع الإجراءات الأمنية الداخلية، يؤكد أن المؤسسة العسكرية باتت محور المرحلة المقبلة، سواء في تنفيذ التفاهمات الأمنية أو في تعزيز ثقة المجتمع الدولي بقدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بزمام الأمن.
ويبدو واضحاً أن الدعم الأميركي الذي تحدث عنه عون بعد عودته من واشنطن يتركز بصورة أساسية على تقوية الجيش، باعتباره الركيزة الأساسية لأي تسوية دائمة في الجنوب.
الإصلاح والسيادة… مساران متلازمان
في الوقت الذي كانت فيه الملفات الأمنية تتقدم المشهد، لم تغب الأولويات الاقتصادية. فالاجتماع المالي بين وزير المال وحاكم مصرف لبنان أكد استمرار العمل على برنامج الإصلاحات بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي، في إشارة إلى أن السلطة تحاول الجمع بين تثبيت الأمن واستعادة الثقة المالية.
وهذا الربط ليس تفصيلاً، إذ إن نجاح أي خطة اقتصادية يبقى مرتبطاً بإنهاء الحرب وتوفير بيئة مستقرة تشجع الاستثمارات، وهو ما شدد عليه رئيس الجمهورية عندما اعتبر أن الإصلاحات حاجة لبنانية قبل أن تكون مطلباً خارجياً.
ترامب يرفع سقف المواجهة مع طهران
إقليمياً، فتحت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب جبهة جديدة في الصراع مع إيران، بعدما أعلن عزمه استخدام الأموال الإيرانية المجمدة لتعويض الأضرار التي لحقت بالسفن والشحنات البحرية.
ورغم غياب التفاصيل القانونية والمالية، فإن الرسالة السياسية كانت واضحة: واشنطن تتجه إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي بأقصى حدودها، بالتوازي مع الضغوط العسكرية والدبلوماسية، بهدف تحميل طهران كلفة أي تهديد للملاحة الدولية.
وجاء الرد الإيراني سريعاً على لسان وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي اعتبر الخطوة سابقة خطيرة تقوض حماية الأصول السيادية للدول، محذراً من أن تعميم مثل هذه الممارسات سيهدد النظام المالي الدولي بأكمله.
بين الداخل والخارج… مرحلة حسم
تتقاطع كل هذه التطورات عند نقطة واحدة: دخول لبنان والمنطقة مرحلة اختبار التنفيذ لا مرحلة إطلاق المواقف. ففي الجنوب، بدأت الدولة تثبيت حضورها عبر الجيش وعودة الأهالي، وفي بيروت تُترجم نتائج قمة واشنطن إلى خطوات سياسية وأمنية، فيما تستمر الضغوط الدولية لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي وإنهاء الحرب بصورة نهائية.
وفي المقابل، تتسع المواجهة الأميركية-الإيرانية لتشمل الأدوات المالية إلى جانب المواجهة السياسية، ما يعني أن مسار الاستقرار اللبناني سيبقى مرتبطاً أيضاً بمآلات الصراع الإقليمي. لكن المؤشر الأبرز يبقى أن زوطر الغربية لم تعد مجرد بلدة عادت إليها الحياة، بل تحولت إلى أول عنوان عملي لمرحلة عنوانها بسط سلطة الدولة واختبار قدرتها على تحويل التفاهمات الدولية إلى وقائع ثابتة على الأرض.

