لم يعد الخلاف داخل النظام الإيراني حول التفاهم مع الولايات المتحدة مجرد نقاش بشأن تكتيكات التفاوض أو شروط الاتفاق. ما يجري أعمق من ذلك بكثير؛ إنه صراع على السلطة داخل بنية حكم مأزومة، يحاول كل جناح فيها أن يحمي موقعه، وأن يتجنب دفع ثمن مرحلة جديدة قد تحمل للنظام تنازلات موجعة أو انفجاراً اجتماعياً لا يمكن احتواؤه.
فالمفاوضات مع واشنطن جاءت في لحظة شديدة الحساسية: حرب متوقفة من دون تسوية نهائية، اقتصاد مثقل بالتضخم والركود، مجتمع منهك من الأزمات، ونظام يحاول أن يبيع لجمهوره رواية «النصر» بينما يعرف في داخله أن مرحلة ما بعد الحرب قد تكون أصعب من الحرب نفسها. من هنا تحولت الدبلوماسية إلى ساحة اشتباك داخلي، لا إلى طريق واضح للخروج من الأزمة.
التيار المتشدد يخشى أن يؤدي أي تفاهم إلى تقليص نفوذه في ملفات يعدّها جزءاً من مصادر قوته: تنگه هرمز، النفوذ الإقليمي، حزب الله ولبنان، الملف النووي، ودور الحرس في القرار الاستراتيجي. لذلك يهاجم هذا التيار الحكومة والفريق المفاوض، ويحاول تصوير أي مرونة على أنها تنازل خطير أو تفريط بما يسميه «دستاوردهای میدان». وفي المقابل، يحاول الجناح الدافع نحو التفاوض أن يقدم هذا المسار باعتباره ضرورة لحماية النظام من الاختناق الاقتصادي، لا تراجعاً أمام واشنطن.
وتؤكد بعض الصحف الإيرانية نفسها هذا الانقسام حين تتحدث، من جهة، عن ضرورة دعم الفريق المفاوض وعدم «كسر الاتفاق»، ومن جهة أخرى تنشر مقالات تحذر من «الرهان على وعود أمريكا» أو من خسارة أوراق القوة في تنگه هرمز والملف النووي. وهذا التناقض لا يعكس تعددية سياسية حقيقية، بل يكشف ارتباكاً داخل السلطة حول من يملك حق تعريف «المصلحة العليا» للنظام.
الأهم أن هذا الصراع لا يدور فقط حول الخارج. فكل جناح يخاف من الداخل أيضاً. المتشددون يخشون أن يفتح التفاهم الباب أمام مطالب شعبية أوسع، والجناح الحكومي يخشى أن يؤدي إفشال المفاوضات إلى موجة غضب اقتصادي واجتماعي، ومراكز القوة الأمنية تخشى أن يؤدي أي تراجع في الخارج إلى تراجع هيبتها في الداخل. ولهذا فإن القاسم المشترك بين الجميع هو الخوف من المجتمع الإيراني.
في هذا السياق، شكّل مؤتمر إيران الحرة 2026 في باريس عاملاً إضافياً في تعميق قلق النظام. فقد أظهر حضور الإيرانيين وأنصار المقاومة، تحت شعار «لا شاه ولا ملا»، أن هناك بديلاً سياسياً منظماً يرفض الحرب والمساومة معاً، ويدعو إلى جمهورية ديمقراطية. وهذا ما يجعل صراع السلطة داخل النظام أكثر حساسية، لأن كل فشل أو تنازل أو أزمة داخلية بات يُقاس أيضاً في ضوء وجود بديل واضح خارج معادلة النظام.
في المحصلة، ليست المشكلة أن النظام يختلف حول التفاوض، بل أنه لم يعد قادراً على إنتاج رواية موحدة حول مستقبله. إنه يحاول إدارة أزمة خارجية بينما تتآكل قدرته على ضبط الداخل. ولهذا فإن صراع السلطة داخل النظام الإيراني لم يعد عرضاً جانبياً، بل أصبح أحد المؤشرات الرئيسية على عمق أزمته البنيوية.

