لبنان على طاولتين: كيف تتقاطع مفاوضات سويسرا مع مفاوضات واشنطن؟

جاد الأخوي

تجري في هذه الأيام معادلة دبلوماسية معقدة على مسارين متوازيين، يبدوان منفصلين شكلياً لكنهما متشابكان في الجوهر بشكل يصعب فكّ عقدته. المسار الأول في منتجع بورغنشتوك السويسري، حيث تتفاوض الولايات المتحدة وإيران على مستقبل العلاقة بينهما بعد حرب قصيرة ومدمرة، بوساطة قطرية وباكستانية. والمسار الثاني في واشنطن، حيث يخوض لبنان وإسرائيل جولتهما الخامسة من المحادثات المباشرة برعاية أميركية. وبين الطاولتين، يقف لبنان كنقطة التقاء حساسة، يحدد مصيرها إلى حد كبير ما إذا كانت الصفقة الكبرى بين واشنطن وطهران ستثبت، وما إذا كانت إسرائيل ستلتزم بما يُطلب منها ميدانياً.

مذكرة التفاهم: لبنان كبند أول لا كملف هامشي

وقّعت واشنطن وطهران مذكرة تفاهم في 18 يونيو 2026، أنهت بموجبها حرباً قصيرة اندلعت في فبراير من العام نفسه، وفتحت الباب لستين يوماً من المفاوضات نحو اتفاق نهائي. اللافت في هذه المذكرة أن إيران نجحت في فرض إنهاء الحرب في لبنان كأحد بنودها الأساسية الخمسة، إلى جانب ملفات النفط، والأصول المجمدة، والملف النووي، ومضيق هرمز. بعبارة أخرى، لم يعد لبنان قضية ثنائية تُحسم بين بيروت وتل أبيب فقط، بل أصبح جزءاً من حسابات أكبر تتقاطع فيها مصالح إيرانية وأميركية وقطرية وباكستانية.

كبير المفاوضين الإيرانيين، رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، أكد عند عودته من سويسرا أن إنهاء الحرب في لبنان، وتثبيت سيادته، وانسحاب القوات الإسرائيلية منه، كانت من أبرز إنجازات الجولة. هذا التصريح وحده يكشف حجم الاستثمار الإيراني في الملف اللبناني كأداة تفاوضية، فكل تقدّم تحرزه طهران في انتزاع التزام أميركي بشأن لبنان يُحسب لها نقطة قوة أمام جمهورها الداخلي وأمام حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم حزب الله.

واشنطن: من ميدان المعركة إلى طاولة التفاوض

في موازاة ذلك، تستضيف الخارجية الأميركية الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، بعد أربع جولات سابقة بدأت في أبريل الماضي. هذه الجولة، الممتدة من 23 إلى 25 يونيو، تتركز على آليات تنفيذ ما يُعرف بـ”المناطق التجريبية” في جنوب لبنان، وهي مناطق يُفترض أن يسيطر فيها الجيش اللبناني وحده، مع استبعاد أي طرف غير حكومي، في إشارة مباشرة إلى حزب الله. كما تبحث المحادثات ترتيبات تثبيت وقف إطلاق النار، وهو الوقف المرتبط عضوياً بما وُقّع في سويسرا.

لم يعد لبنان قضية ثنائية تُحسم بين بيروت وتل أبيب فقط، بل أصبح جزءاً من حسابات أكبر تتقاطع فيها مصالح إيرانية وأميركية وقطرية وباكستانية.

ما يميز هذه الجولة أنها لا تنعقد في فراغ، بل وسط تصعيد ميداني متواصل. فقد شنت إسرائيل ضربات على جنوب لبنان قبل أيام من الجولة، ورفع الجيش الإسرائيلي القيود عن جبهة المواجهة، معلناً عودة “النشاط الكامل” في المستوطنات الحدودية. هذا التناقض بين خطاب التهدئة الأميركي وفعل التصعيد الإسرائيلي يجعل من المفاوضات في واشنطن اختباراً عملياً لمدى قدرة الإدارة الأميركية على ترجمة تفاهماتها مع طهران إلى وقائع على الأرض.

نقطة الالتقاء: لبنان كمقياس لجدية الصفقة

التقاطع بين الطاولتين ليس مجرد تزامن زمني، بل علاقة سببية مباشرة. إيران تربط استمرار مسارها التفاوضي مع واشنطن بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، معتبرة ذلك “بنداً أول” لا يمكن التراجع عنه. وهذا يعني أن أي فشل في جولة واشنطن، أو أي استمرار للتصعيد الإسرائيلي، يهدد بنسف الزخم الذي تحقق في سويسرا. ولذلك حرص نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس على الجمع بين الملفين في تصريحاته، معلناً تقدماً “في القضية النووية” وفي “قضية وقف إطلاق النار في لبنان” في نفس الوقت تقريباً، وكأنهما وجهان لعملة واحدة.

هل قدّمت أميركا تنازلات لإيران على حساب لبنان؟

هنا تنقسم القراءات بشكل حاد، خصوصاً من الجانب الإسرائيلي الذي يشعر بأنه يُدفع إلى الهامش. فقد تصاعدت انتقادات مسؤولين إسرائيليين، من بينهم الوزير السابق أفيغدور ليبرمان، الذي اتهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالفشل في إدارة العلاقة مع واشنطن وبأن إسرائيل “تعرضت لتهميش واضح” في المفاوضات بين الأميركيين والإيرانيين. كما حذّر محللون إسرائيليون من أن واشنطن بدأت تتحدث فعلياً عن انسحاب إسرائيلي من مواقع استراتيجية احتلتها القوات الإسرائيلية في الأشهر الأخيرة، من بينها قلعة الشقيف، وأن إنشاء “المناطق التجريبية” قد يتم دون ضمانات كافية لأمن المستوطنات الحدودية.

الجيش الإسرائيلي نفسه يرفض، بحسب تسريبات إعلامية إسرائيلية، الربط بين “الساحات” في مذكرة التفاهم، ويفضل التفاوض المباشر مع لبنان وفق حساباته الخاصة

محللون سياسيون يذهبون أبعد من ذلك، معتبرين أن البند الأول في مذكرة التفاهم، المتعلق بوقف القتال في لبنان وتحييده عن الضربات الإسرائيلية، يتضمن خطة أميركية لإنشاء لجنة لمراقبة الوضع في لبنان دون مشاركة إسرائيلية، وهو ما يُقرأ في تل أبيب كتجاوز مباشر لمصالحها الأمنية لمصلحة تثبيت الصفقة مع طهران.

في المقابل، هناك قراءة أكثر تحفظاً ترى أن “التنازل” أميركي في الشكل التفاوضي فقط، لا في الجوهر التنفيذي. فإسرائيل، عملياً، لا تتعامل مع مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية كاتفاق يفرض عليها التزامات مباشرة، باعتبارها لم تكن طرفاً فيه. الجيش الإسرائيلي نفسه يرفض، بحسب تسريبات إعلامية إسرائيلية، الربط بين “الساحات” في مذكرة التفاهم، ويفضل التفاوض المباشر مع لبنان وفق حساباته الخاصة، بمعزل عن سقف الالتزامات الذي تحاول واشنطن وطهران فرضه. وهذا ما يفسر استمرار الضربات الإسرائيلية في جنوب لبنان حتى بعد توقيع المذكرة، وتعليمات نتنياهو بتوسيع العمليات العسكرية رغم الضغوط الأميركية المتصاعدة.

توازن أميركي دقيق وهش

ما يمكن استخلاصه هو أن الإدارة الأميركية تحاول إدارة معادلة بالغة الصعوبة: تقديم ما يكفي من الضمانات لإيران بشأن لبنان لإنقاذ مذكرة التفاهم وتفادي انهيارها، من دون الذهاب بعيداً بما يهدد عمق العلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل. لكن هذا التوازن يبدو هشاً، فالتصعيد الميداني المستمر، والانتقادات الإسرائيلية العلنية لإدارة ترامب، ورفض الجيش الإسرائيلي الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، كل ذلك يشير إلى أن مفاوضات واشنطن بشأن لبنان قد تتحول إلى الاختبار الحقيقي الأول لمصداقية الصفقة الأميركية الإيرانية بأكملها. فإذا فشلت جولة واشنطن في تحقيق تقدّم ملموس، فإن إيران ستجد في ذلك ذريعة لإعادة تجميد المسار مع واشنطن، بينما ستجد إسرائيل في استمرار الفوضى فرصة لإثبات أنها لم تكن، ولن تكون، طرفاً ملزماً بما يُحاك على طاولات لا تجلس هي إليها مباشرة.

السابق
منشورات ترامب تربك مفاوضي إيران .. «واستعانة بعلماء النفس»