انطلقت الجولة الثانية من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة في واشنطن بطابع عسكري واضح، وسط رهانات أميركية على ترجمة التفاهمات الإقليمية الأخيرة إلى خطوات عملية في الجنوب اللبناني، إلا أن الساعات الأولى من المحادثات أظهرت حجم التباينات بين الأطراف المعنية، سواء بشأن آليات تثبيت وقف إطلاق النار أو حول مشروع “المناطق التجريبية” الذي تطرحه واشنطن كبوابة أولى نحو انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية المحتلة.
ثماني ساعات من النقاش… والعقدة أمنية
انتهت الجلسة الأولى من المفاوضات بعد ثماني ساعات من الاجتماعات المكثفة، على أن تُستكمل اليوم بمشاركة الوفد العسكري اللبناني. وبحسب مصادر عسكرية، فإن النقاشات تعثرت عند نقطة أساسية تتعلق بآلية تثبيت وقف إطلاق النار، حيث يتمسك الجانب الإسرائيلي بحق تنفيذ عمليات عسكرية واغتيالات ضد ما يعتبره “تهديدات أمنية”، حتى بعد التوصل إلى أي ترتيبات جديدة.
ويعكس هذا الموقف الإسرائيلي جوهر الخلاف القائم، إذ يسعى لبنان إلى تثبيت وقف إطلاق النار بصورة كاملة تمنع أي اعتداءات أو عمليات أحادية الجانب، فيما تريد تل أبيب الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية داخل الأراضي اللبنانية تحت ذرائع أمنية مختلفة.
المناطق التجريبية” بين الرفض اللبناني والشروط الإسرائيلية
وتتصدر فكرة “المناطق التجريبية” جدول الأعمال الحالي للمفاوضات. ووفق معلومات نقلتها مصادر إسرائيلية، يجري البحث في مشروع مدعوم أميركياً يقضي بتسليم الجيش اللبناني السيطرة على مناطق محددة في الجنوب، على أن تخضع هذه المناطق لمراقبة أمنية دقيقة، وأن يستفيد الجيش اللبناني من برامج تدريب وتطوير بإشراف أميركي ودولي.
غير أن هذه الفكرة تواجه اعتراضات متعددة. فالوفد العسكري اللبناني أبدى تحفظات على بعض المناطق المقترحة للبدء بالمشروع، فيما أفادت معلومات بأن حزب الله يرفض انتقال الجيش إلى مناطق شمال الليطاني ضمن إطار المشروع، ويتمسك بأن تبدأ أي مناطق نموذجية في الأراضي التي لا تزال تحتلها إسرائيل جنوب الليطاني.
وفي السياق نفسه، كشفت مصادر أميركية أن إسرائيل تشترط نشر الجيش اللبناني في مرتفعات علي الطاهر قبل أي انسحاب من المنطقة، إضافة إلى تفتيش الأنفاق التابعة لحزب الله والتأكد من خلوها من السلاح والمسلحين.
تناقضات إسرائيلية بين ساعر وكاتس
وبينما تتواصل المفاوضات، برز تناقض واضح داخل الموقف الإسرائيلي نفسه. فقد أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن بقاء إسرائيل في جنوب لبنان مرتبط باستمرار النفوذ الإيراني، معتبراً أنه “إذا كفت إيران يدها عن لبنان فلن تكون هناك حاجة لبقاء إسرائيل في الجنوب”.
في المقابل، ذهب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى موقف أكثر تشدداً، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من الجنوب اللبناني حتى في حال وجود طلب أميركي بذلك، مشدداً على أن ما وصفها بـ”المنطقة الأمنية” في لبنان وسوريا أصبحت جزءاً من العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
ويعكس هذا التباين غياب رؤية إسرائيلية موحدة حيال مستقبل الجنوب اللبناني، ويطرح تساؤلات حول قدرة المفاوضات على تحقيق اختراق فعلي في ظل استمرار الانقسام داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية.
لبنان يتمسك بالانسحاب الكامل
في المقابل، يواصل المسؤولون اللبنانيون التأكيد أن المفاوضات الجارية في واشنطن منفصلة عن التفاهمات الأميركية – الإيرانية التي شهدتها سويسرا أخيراً، وأن هدفها الأساسي يبقى تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة.
وفي هذا الإطار، شدد رئيس الحكومة نواف سلام على أن لبنان لن يقبل ببقاء أي نقاط احتلال إسرائيلية، سواء كانت خمس نقاط أو نقطتين، مؤكداً أن البحث يتركز على استكمال الانسحاب الإسرائيلي، وإطلاق الأسرى، ومعالجة النقاط الحدودية العالقة، بالتوازي مع استكمال مسار بسط سلطة الدولة وحصرية السلاح وفق اتفاق الطائف.
أما رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، فأكد أن البحث في “المناطق النموذجية” لا يزال قائماً، وأن أي اتفاق نهائي يبقى مرتبطاً بموافقة الجانب الإسرائيلي على ترتيبات تضمن الانسحاب وانتشار الجيش وعودة الأهالي وبدء إعادة الإعمار.
الجنوب بين واشنطن وسويسرا
ورغم تأكيد المسؤولين اللبنانيين الفصل بين مساري واشنطن وسويسرا، فإن الوقائع تشير إلى ترابط واضح بينهما. فلبنان حاضر في المفاوضات الأميركية – الإيرانية، كما أن أي تفاهم إقليمي واسع سيترك انعكاساته المباشرة على الوضع اللبناني.
وفي انتظار نتائج الجلسات المقبلة، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالين: إما نجاح مشروع “المناطق التجريبية” بوصفه مدخلاً لانسحاب إسرائيلي تدريجي وتثبيت وقف إطلاق النار، أو سقوطه تحت وطأة الشروط المتبادلة، بما يعيد الجنوب إلى دائرة التصعيد الميداني ويؤجل أي تسوية شاملة إلى حين اتضاح صورة التفاهمات الإقليمية الكبرى.

