مع انكشاف بنود مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية التي وقّعها الرئيسان دونالد ترامب ومسعود بزشكيان، تتجه الأنظار إلى انعكاساتها على الساحة اللبنانية، خصوصاً أن البند الأول منها نصّ بوضوح على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، مع ضمان سلامة أراضيه وسيادته.
غير أن تل أبيب سارعت إلى التنصل من هذا البند، مؤكدة أنها لا تعتبر نفسها ملزمة بما ورد في الاتفاق بشأن لبنان. وبحسب أوساط إسرائيلية، أبلغ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الإدارة الأميركية أن أي انسحاب من المناطق التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية في الجنوب يبقى مشروطاً بنزع سلاح حزب الله بشكل كامل، ما يعكس فجوة واضحة بين التفاهم الأميركي – الإيراني والحسابات الأمنية الإسرائيلية.
خريطة جديدة للجنوب… والتنسيق مع الجيش اللبناني
وفي موازاة المواقف السياسية، كشفت التصريحات الإسرائيلية عن توجه لتثبيت واقع أمني جديد في الجنوب. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي أن الخطوات المقبلة المتعلقة بجنوب لبنان تُبحث في إطار سياسي ومن خلال المفاوضات المرتقبة مع لبنان، داعياً الجيش اللبناني إلى التنسيق معه.
كما نشرت تل أبيب خريطة انتشار جديدة لقواتها داخل ما تسميه “المنطقة الأمنية”، واضافة الى بلدات القرى الحدودية الواقعة ضمن الخط الأصفر، فقد ضمت الخريطة المذكورة بلدات شمال نهر الليطاني سيطرت عليها القوات الاسرائيلية حديثا وهي زوطر الشرقية والغربية ويحمر وأرنون وكفرتبنيت وميفدون ومنطقة، وتلة علي الطاهر الاستراتيجية الواقعة عقاريا في بلدة النبطية الفوقا والتي لم تسقط عسكريا بيد قوات الاحتلال الاسرائيلية ولكنها تتعرّض لقصف مستمر وغارات جوية من اجل تدمير التحصينات التابعة لحزب الله فيها.
وتعكس هذه المواقف أن إسرائيل تتعامل مع مفاوضات 23 آب الجاري في واشنطن باعتبارها محطة لترتيب شروط بقائها الأمني، لا مناسبة لإقرار انسحاب سريع أو شامل من المناطق التي تحتلها.
الميدان يسبق السياسة… وغارات رغم التفاهم
وعلى الأرض، لم ينعكس التفاهم الأميركي – الإيراني أي تهدئة فورية. فقد واصل الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية في الجنوب، مستهدفاً سيارة في كفرتبنيت بغارة من مسيّرة أدت إلى سقوط قتيل وجريح، فيما طالت غارات أخرى بلدتي حداثا وبيت ياحون، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف أطراف النبطية الفوقا وأعمال تجريف متواصلة في الخيام.
كما وجهت إسرائيل تحذيرات مباشرة للجيش اللبناني وللسكان بعدم الاقتراب من المنطقة الأمنية التي أعلنتها، في خطوة تعكس استمرار العمل بقواعد الاشتباك الميدانية السابقة رغم الإعلان عن مذكرة التفاهم.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول مدى قدرة الاتفاق الأميركي – الإيراني على فرض وقائع جديدة على الأرض اللبنانية، أو ما إذا كانت المرحلة الحالية ستشهد استمراراً للتصعيد إلى حين اتضاح نتائج المفاوضات السياسية.
عون إلى واشنطن… تثبيت دور الدولة اللبنانية
في المقابل، يترقب اللبنانيون الزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية العماد جوزيف عون إلى واشنطن خلال الأسابيع المقبلة، والتي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، باعتبارها محطة سياسية مفصلية قد تكرّس الفصل بين الملف اللبناني والملف الإيراني.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة في ظل سعي الدولة اللبنانية إلى تأكيد أنها الطرف المعني بالتفاوض حول مستقبل الجنوب وترتيبات ما بعد الحرب، بعيداً من أي مقاربات تربط لبنان مباشرة بمسارات التفاوض الإقليمية الأوسع.
وفي هذا السياق، شدد الرئيس عون أمام وفد وزاري قطري وفرنسي وبريطاني على أن الأولوية هي لإعادة الثقة الخارجية بلبنان وإعادة ثقة اللبنانيين بدولتهم، مؤكداً أن الاستقرار اللبناني يشكل حاجة إقليمية ودولية، وأن مسار الإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية يبقى مطلباً لبنانياً قبل أن يكون مطلباً خارجياً.
رفض لأي تدخل خارجي في الشأن اللبناني
وفي خضم النقاش الدائر حول الطروحات المتعلقة بدور سوري محتمل في ملف سلاح حزب الله، أكد حزب الكتائب تمسكه بحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، لكنه رفض في الوقت نفسه أي طرح يقوم على تدخل سوري مباشر لتحقيق هذا الهدف.
وشدد الحزب على أن أي معالجة لهذا الملف يجب أن تتم ضمن إطار يحترم السيادة اللبنانية ويعزز دور المؤسسات الشرعية، مشيداً بموقف الرئيس السوري أحمد الشرع الرافض للتدخل العسكري في لبنان.
وبين مذكرة تفاهم دولية لم تتضح آليات تنفيذها بعد، ورفض إسرائيلي للانسحاب من الجنوب، وتصعيد ميداني مستمر، واستعدادات لبنانية لجولة مفاوضات جديدة في واشنطن، يبدو أن لبنان يقف مجدداً عند تقاطع حساس بين التسويات الإقليمية الكبرى والوقائع الأمنية التي لا تزال تُرسم بالنار على الأرض.

