في موقف يعكس عمق المأساة الإنسانية والثقافية التي يعيشها جنوب لبنان، أصدر «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» بياناً شديد اللهجة، واصفاً ما يتعرض له الجنوب منذ ثلاثة أشهر بـ «المقتلة الموصوفة والنكبة الحقيقية». وحذر المجلس من أن وصول قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى مشارف مدينة النبطية وتكثيف الغارات على صور وبقية القرى ينذر بـ «احتلال طويل الأمد» ومحاولة ممنهجة لمحو هوية الأرض وإحالة الحجر والبشر إلى رماد، نسفت معها أمجاد «عيد التحرير» المحقق عام 2000.
وأمام هذا الواقع الكارثي الذي فاق طاقة الجنوبيين على التحمل، أطلق المجلس صرخة مدوية ناشد فيها الدولة اللبنانية بالانتقال من مرحلة البيانات إلى «الحراك الدبلوماسي المكوكي» عربياً ودولياً لوقف المجزرة، موجهاً دعوة علنية وتاريخية لأبناء الجنوب للاتحاد تحت سقف الدولة ومؤسساتها، والمطالبة بوقف فوري لإطلاق النار وتسلّم «الجيش اللبناني وحده – لا شريك له – زمام الأمور» لحماية الوطن والذود عن أرضه.
وفيما يلي نص البيان:
منذ ثلاثة أشهر والجنوب يعيش في قلب النار، يواجه وحيداً جحيم حرب هي الأقسى على الإطلاق، تستهدف اقتلاعه من الجغرافيا والتاريخ، حيث تحوّلت القرى والبلدات الوادعة إلى ساحات دمار شامل تحت وطأة غارات متواصلة وقصف لا يهدأ؛ ليعود الاحتلال من جديد ويجثم فوق صدر الأرض التي لطالما بُذلت من أجل تحريرها دماء غزيرة، وحُرّرت في العام 2000 وأقمنا لذلك عيداً أسميناه “عيد التحرير”.
إن ما تشهده القرى والبلدات الحدودية من أعمال تدمير وتجريف ليس مجرد عملية عسكرية عابرة، بل هو محاولة ممنهجة لمحو هوية الأرض وإحالة الحجر والبشر إلى رماد. فما حلّ بالبلدات من دمار هائل وخسائر لم يقتصر على المنازل التي بناها الأجداد بعرق السنين، بل امتدّ إلى دور العبادة، المدارس، البنى التحتية، المؤسسات الرسمية والساحات، كذلك طال دورة الاقتصاد المحلي والإرث الزراعي من مواسم وأشجار زيتون معمّر وحقول تبغ لطالما شكّلت شريان الحياة الاقتصادية، وصولاً إلى المعالم التاريخية والتراثية والإرث الثقافي.
أما المعاناة الإنسانية، فقد بلغت حدوداً تفوق القدرة على الاحتمال؛ الآلاف استشهدوا أو أصيبوا، ومئات الآلاف من العائلات وجدت نفسها في مهب النزوح القسري، تفترش مراكز الإيواء أو تبحث عن أمان مؤقت بعيداً عن ديارها، يحمل النازحون في حقائبهم غصّة الفقد، وقلق المجهول، وخوفاً دفيناً على جنى أعمارهم الذي تركوه وراءهم.
إنّ وصول قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى مشارف مدينة النبطية وتكثيفه للغارات على مدينة صور، إضافة للغارات الوحشية المتواصلة على بقية القرى، يُنذر بمخاطر كبيرة على الجنوب تتعدى العملية العسكرية الراهنة، لتحمل في طيّاتها احتلالاً طويل الأمد وتداعيات سيكون من المتعذّر على الجنوبيين تحمّل تبعاتها، خصوصاً أنّ مئات الآلاف منهم نزحوا عن قراهم وبلداتهم ويعانون ظروفاً صعبة وكارثية.
إنّ المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، الذي وُلد من رحم الجنوب ليحاكي إرثه الثقافي وتاريخه وقضاياه، يجد نفسه في قلب الوجع وعمق المأساة. وأمام ما يتعرّض له الجنوب من “مقتلة” موصوفة، أقلّ ما يُقال فيها بأنّها نكبة حقيقية نشهدها اليوم، لا يسعنا إلّا استصراخ الجميع بأن يتحرّكوا لإنقاذ ما تبقى من الجنوب وناسه وأرضه من براثن الموت والدمار. لذا، نناشد الدولة بالتحرّك الفوري، ليس عبر البيانات والتصريحات فحسب، بل بالقيام بأوسع حراك عاجل، والتوجّه بزيارات مكوكية ودون تردّد إلى المجتمعين العربي والدولي من أجل وضع حد لتلك المجزرة المتمادية بحق الجنوب وأبنائه.
يناشد المجلس الجنوبيين أيضًا أن يقفوا صفّاً واحداً، وبوعي تام، وراء الدولة ومؤسساتها، مطالبين بوقف فوري وشامل لإطلاق النار، وتسلُّم الجيش وحده – لا شريك له – زمام الأمور، وتحمّل مسؤولياته الكاملة والتي أُنشئ من أجلها، وهي الدفاع عن الوطن والذود عن أرضه.
إنّ ما يتحمّله الجنوب وحيداً الآن من أعباء ضخمة للصراع الحاصل في المنطقة فاق قدرته وطاقته على التحمّل، فأرضه تُحرق، وبيوته تُدمّر، وأبناؤه يُقتلون. لقد قدّم الجنوبيون تضحيات جسامًا في سبيل قضية فلسطين وفي مواجهة العدو الإسرائيلي، وبقيت أرضهم لعشرات السنين ساحة لتلك المواجهة.
إنّ المجلس، وإذ يُجدّد الدعوة إلى تحمُّل الدولة لمسؤولياتها، فإنّه في الوقت نفسه يهيب بالجنوبيين التجمّع والاتحاد تحت سقف الدولة، والاحتكام لخياراتها التي تؤكّد على قرار وقف إطلاق النار، تحرير الأرض، استعادة الأسرى، إعادة النازحين، والبدء بعملية إعادة الإعمار.

