في تطور خطير يتجاوز استهداف الحجر والبشر إلى محاولة محو التاريخ والهوية، تعرضت قلعة الشقيف التاريخية (بوفور) الرابضة في أعالي بلدة أرنون بجنوب لبنان إلى قصف إسرائيلي مباشر، مما أثار موجة عارمة من الاستنكار الرسمي والأهلي، ودعوات عاجلة لتحرك دولي لإنقاذ هذا المعلم الإنساني المدرج تحت مظلة الحماية الدولية.
جريمة حرب وإبادة ثقافية ممنهجة
وأصدرت بلدية أرنون بياناً شديد اللهجة استنكرت فيه الغارات والاعتداءات الإسرائيلية التي طالت القلعة، معتبرة أن هذا الاستهداف يمس “أحد أبرز المعالم الأثرية والتراثية ذات القيمة الوطنية والثقافية والإنسانية”.
وأشارت البلدية إلى أن هذا القصف يتزامن مع عمليات تفجير المنازل السكنية الممنهجة، وتدمير الأحياء والبنى التحتية، وتهجير الأهالي قسراً من أرضهم ومنازلهم، مؤكدة أن الشقيف “ليست مجرد موقع أثري، بل شاهد حي على تاريخ المنطقة وصمود أهلها عبر القرون”.
من جهتها، كشفت جمعية “الجنوبيون الخضر” أن قصف القلعة جاء بعد أيام من استهداف مركز ومحيط الموقع بقصف مدفعي متواصل، واصفة ما يجري بأنه “جريمة حرب” حقيقية و”إبادة ثقافية ممنهجة” تُرتكب بحق التراث والهوية التاريخية لجنوب لبنان.
حماية دولية معززة منتهكة
أعادت الهيئات المستنكرة التذكير بالحصانة القانونية الدولية التي تتمتع بها القلعة؛ إذ مُنحت قلعة الشقيف في عام 2024 “الحماية المعززة” بموجب البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة.
وأكدت البيانات أن هذا الاعتداء يعد انتهاكاً صارخاً وواضحاً للقوانين والمواثيق الدولية التي تحرّم المساس بالتراث الإنساني العالمي في زمن الحروب.
وفي هذا السياق، طالبت “الجمعية اللبنانية لحماية الآثار والتراث” (ALCAP) بتحرك فوري يتجاوز الخطوط الحمر التي ضُرب بها عرض الحائط. ودعت الجمعية وزير الثقافة اللبناني إلى التواصل العاجل مع جميع السفارات والدول المؤثرة لمنع هذا التعدي الخطير، وحثت الحكومة اللبنانية على تقديم شكوى عاجلة وفورية إلى مجلس الأمن الدولي ومحكمة الجنايات الدولية. وشددت الجمعية في بيانها على أن:
“الآثار اللبنانية، ومنها تلك المدرجة على لائحة التراث العالمي، ليست ملكاً لحزب أو طائفة، بل هي هوية وطنية جامعة، وخسارتها لا تعوّض لأنها تعني محو التاريخ وتدمير الذاكرة الجماعية للبنانيين”.
قلعة الشقيف أرنون: عين على التاريخ والجغرافيا
تُجمع الروايات التاريخية والجغرافية على المكانة الاستثنائية لقلعة الشقيف (المعروفة تاريخياً باسم قلعة بوفور Beaufort)، ويمكن تلخيص مسيرتها عبر العصور في النقاط التالية:
- الموقع الإستراتيجي الفذ: تقع القلعة على شاهق صخري يزيد ارتفاعه عن 700 متر فوق سطح البحر يشرف مباشرة على بلدة أرنون، وتتميز بإطلالة بانورامية كاشفة على مجرى نهر الليطاني، وسهل مرجعيون، ومنطقتي النبطية والجليل الأعلى، مما جعلها عبر التاريخ نقطة ارتكاز عسكرية ومحوراً للتحصينات والمعارك لطالما سعى كل الغزاة للسيطرة عليها.
- الجذور العريقة والترميم: تعود جذور البناء الأول للقلعة إلى العهد الروماني، ثم عمل الصليبيون على توسيعها وهيكلتها كحصن منيع في القرن الثاني عشر الميلادي، ليعيد الأمير فخر الدين المعني الثاني ترميمها وتحصينها لاحقاً في العهد العثماني لتدعيم عناصر قوته الاستقلالية.
- التاريخ الحديث والاجتياح: شهدت القلعة أشرس المعارك في العصر الحديث، وكان أبرزها إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حيث دارت في أرجائها “معركة الشقيف” الشهيرة بين الجيش الإسرائيلي والمقاتلين الفلسطينيين.
- الاحتلال والترميم والتأهيل: اتخذ الجيش الإسرائيلي من القلعة مركزاً عسكرياً وإستراتيجياً مدججاً طوال سنوات احتلاله للشريط الحدودي، مما عرض بنيتها الأثرية لتدمير واسع جراء الغارات والتحصينات الإسمنتية المستحدثة. وبعد تحرير الجنوب عام 2000، بدأت ورشة عمل جبارة لإعادة إعمار وترميم القلعة بدعم لبناني وعربي، نجحت في إعادتها إلى خارطة المعالم السياحية والثقافية البارزة، قبل أن تمتد إليها يد القصف مجدداً في الجولة الراهنة.

