يكتسب انطلاق المحادثات الأمنية المتوازية بين لبنان وإسرائيل أبعاداً تتجاوز مجرد الرغبة في تثبيت التهدئة؛ إذ يؤشر هذا الحراك العسكري إلى تحول صامت وجذري في مقاربة مشهد ما بعد تشرين الثاني 2024. فلم يعد النقاش مقتصراً على تفاصيل تقنية لوقف النار، بل تحوّل إلى تفاوض متعدّد الطبقات يمس جوهر السيادة، ومستقبل سلاح حزب الله، وإعادة رسم معادلات الردع على الحدود الشمالية.
مسار البنتاغون: أجندات متداخلة وضغوط مركّبة
وتكشف مصادر دبلوماسية أميركية لـ”نداء الوطن” أن ما يُعرف بـ”مسار البنتاغون” يبحث اليوم عن بدائل عملية لاتفاق تشرين الثاني 2024 الذي شاب تنفيذه الكثير من الالتباس والتعثر. وتدخل تل أبيب هذه الجولة مدفوعة برغبة حاسمة لمعالجة تهديد أمني ترى أنه لم يُحسم بعد، ويتمثل في ترسانة حزب الله ومحاولات إعادة تموضعه جنوب نهر الليطاني. في المقابل، تتركز أولويات الجانب اللبناني على كبح جماح الآلة العسكرية الإسرائيلية وتسريع الانسحاب من النقاط المتحفظ عليها جنوباً، ما يضعنا أمام أجندات متداخلة يصعب التوفيق بينها.
وتشير المصادر إلى أن هذه الجولة ولدت تحت وطأة ضغوط ميدانية إسرائيلية وسياسية أميركية مكثفة، بهدف صياغة آلية واقعية لضبط الحدود وتدعيم دور المؤسسة العسكرية، ضمن إشراف أميركي صارم ومركّز وُصف بأنه “آلية على المنشطات” (Mechanism on steroids).
من جهتها نقلت “العربية” و”الحدث” عن مصدر مطلع بأن الاجتماع العسكري سيعقد في البنتاغون وسيكون مؤشراً لجلسة المفاوضات السياسية التي ستنعقد في الثاني من يونيو (حزيران) المقبل.
وأشار المصدر إلى أن المسار الأمني يبدأ باجتماع بمشاركة تسعة ضباط، من كل من لبنان وإسرائيل.
ويترأس الوفد اللبناني في هذه المفاوضات مدير العمليات في الجيش اللبناني العميد جورج رزق الله.
إستراتيجية “قص العشب” المشروطة
وجاء قرار فصل المسار السياسي عن الأمني بعد عام ونصف من إخفاقات ميدانية؛ حيث توثق التقارير العسكرية استمرار وجود حزب الله في الجنوب وإعادة ترميم شبكات أنفاقه ومستودعات أسلحته رغم الضربات المتلاحقة. ووفقاً للتقديرات الأميركية والإسرائيلية، لا يزال الحزب يحتفظ بآلاف الصواريخ، بما فيها الأنظمة الدقيقة التوجيه.
أمام هذا الواقع، تتبنى إسرائيل إستراتيجية هجينة تمزج بين الإكراه والدبلوماسية المشروطة:
- استمرار الضغط الناري: يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته الموجهة وغاراته الاستخباراتية للحفاظ على مواقع تقدمه الأمامية، بهدف إضعاف قدرات الحزب والتأثير على دوافعه التفاوضية، تماشياً مع عقيدة “قص العشب” (mowing the grass) ولكن بأهداف سياسية.
- المرونة الجغرافية: تبدي تل أبيب استعداداً لمعايرة انسحابها التدريجي وتخفيف الضربات، شرط أن يثبت الجيش اللبناني قدرة فعلية على بسط سيطرته في المناطق التي جرى تطهيرها. وهو “منطق دائري” مقصود؛ فكلما تحرك الجيش اللبناني، تراجعت الذرائع الإسرائيلية للعمل العسكري.
فخ القدرة والعقوبات الأميركية المتمددة
يضع هذا المسار العسكري الدولة اللبنانية أمام معضلة بنيوية؛ فبينما يرجع المسؤولون اللبنانيون ضعف الأداء إلى “عدم القدرة” الناتجة عن الانهيار الاقتصادي وحاجة الجيش للمساعدات، ترى واشنطن أن العائق سياسي في جوهره. فالسلطة السياسية تتجنب المواجهة المباشرة مع الحزب ليس خشية الانفجار الميداني فحسب، بل نتيجة توازنات المحاصصة الطائفية الراسخة، ومستندة إلى عقدة أحداث أيار 2008، حيث تحول “التوافق الوطني” إلى حق نقض (Veto) يعطل أي قرار يمس باستقلالية الحزب العسكرية.
وفي خطوة تصعيدية لافتة، دخلت واشنطن على خط الضغط المباشر عبر جولة عقوبات جديدة لم تكتفِ باستهداف شخصيات الحزب، بل طالت لأول مرة أفراداً من الأجهزة الأمنية اللبنانية. هذا التطور يعكس قلقاً أميركياً عميقاً من وجود اختراق أو تنسيق بين مؤسسات الدولة وحزب الله، وهي رسالة مزدوجة تفيد بأن الدعم الأميركي للجيش (الذي تجاوز 3 مليارات دولار منذ 2005) ليس شيكاً على بياض، وأن على بيروت اتخاذ إجراءات داخلية لتطهير وعزل الأسماء المتهمة بالتعاون.
متغيّر المصداقية: فرصة محدودة الاختبار
تؤكد القراءة الدبلوماسية المقربة من كواليس المحادثات أن النجاح يرتكز على متغيّر وحيد وهو “المصداقية” المفقودة بين الأطراف؛ فإسرائيل تشكك في رغبة لبنان بنزع السلاح، ولبنان يشكك في نوايا إسرائيل بالانسحاب، فيما يملك حزب الله — الغائب الحاضر — القدرة على تفخيخ المسارين عبر التصعيد الميداني.
وتشير التجربة السابقة لعام 2024 إلى أن تحركات الجيش اللبناني كانت جزئية وردعية، وغالباً ما حظيت بموافقة ضمنية من الحزب ولم تمتد إلى شمال الليطاني، بدليل استمرار العثور على مخابئ سلاح في مناطق نفوذ الجيش الاسميّة.
يعد إطلاق هذه المحادثات الأمنية اليوم بمثابة اختبار دولي لإطار عمل جديد برغبة أميركية. وإذا كانت التوقعات منخفضة، فإنها تمنح إسرائيل مخرجاً لتقليص استنزافها العسكري دون التنازل عن شروطها الأمنية، بينما تعطي لبنان متنفساً لالتقاط الأنفاس ومحاولة بسط سلطة الدولة تدريجياً. إنها نافذة زمنية ضيقة تختبر ما إذا كان لبنان قادراً على تحويل سيادته النظرية إلى سيطرة فعلية على الأرض.

