عادَ “ديفيد بتريوس” إلى العراق، ليس ممتطياً صهوة دبابة أو حاملاً لخرائط الغزو العسكري كما فعل في خريف عام 2003، بل بوصفه “رجل الظل” الذي تستدعيه واشنطن من أروقة التقاعد كلما استشعرت أن بلاد الرافدين تدنو من حافة انفجارٍ سياسيٍّ إقليمي، أو تقف على شفا انهيارٍ داخلي وشيك.
لم تكن زيارة بتريوس إلى بغداد هذا الشهر مجرد محطة بروتوكولية عابرة أو جولة مجاملة سياسية؛ بل تجلت كعملية “جس نبضٍ” استراتيجية شاملة لهيكل الدولة العراقية الجديدة، ولقياس موازين القوى المتأرجحة داخلها. والأهم من ذلك، هي اختبارٌ لمدى استعداد بغداد للانخراط في مرحلة إعادة ترتيب النفوذ الأميركي في المنطقة. ومما يضفي على هذه الزيارة بُعداً استثنائياً، هو توقيتها الذي يتقاطع مع لحظة إقليمية بالغة الحساسية؛ حيث يتصاعد التوتر الأميركي-الإيراني، وتتزايد الأحاديث في الغرف المغلقة عن إعادة ضبط العلاقة مع الفصائل المسلحة، وسط مخاوف من اندلاع حرب إقليمية واسعة، وضغط أميركي متنامٍ لإعادة تعريف العراق بوصفه “دولة ذات سيادة”، لا مجرد “ساحة نفوذٍ” إيرانية مفتوحة.
لماذا “بتريوس” تحديداً؟.. الأرشيف الحيّ للتعقيد العراقي
قد يتساءل المراقب: لماذا هذا الجنرال بالذات؟ الإجابة تكمن في أن الرجل ليس مجرد قائدٍ عسكري متقاعد، بل هو أحد أعمق العقول الأميركية فهماً للبنية العراقية المعقدة بأبعادها الأمنية، والعشائرية، والطائفية، والاستخباراتية. هو مهندس استراتيجية “قوات الصحوة” التي نجحت تكتيكياً في تحجيم تنظيم القاعدة بعد عام 2007، وهو المخطط الأبرز لمشروع إعادة تشكيل الدولة العراقية بعد الاحتلال.
تُنظر الإدارة الأميركية إلى بتريوس باعتباره “أرشيفاً حيّاً” للعراق؛ فهو يمتلك خارطة تفصيلية للشخصيات، وشبكات النفوذ، والعلاقات المتشابكة بين القوى السياسية، والفصائل، والمرجعيات الدينية، والأطراف الإقليمية. ولذلك، حين تعود أميركا للتفكير في العراق كملفٍ أمنيٍّ استراتيجي، يعود ديفيد بتريوس تلقائياً ليتصدر المشهد.
تفكيك النفوذ الإيراني: استراتيجية “القوة الناعمة”
هل عاد بتريوس لمواجهة إيران؟ الإجابة الأقرب هي: نعم، ولكن بمقاربةٍ مغايرة تماماً. فالولايات المتحدة لم تعد تفكر بمنطق المواجهة العسكرية المباشرة مع طهران على الأرض العراقية كما حدث في سنوات الفوضى الطائفية. بل باتت تتحرك بمنطق “التفكيك التدريجي” للنفوذ عبر أدواتٍ سياسية، واقتصادية، وأمنية ناعمة.
تشير تقارير إعلامية عربية وغربية، وبوضوح، إلى أن واشنطن استعانت ببتريوس لصياغة “خارطة طريق” تتعلق بمستقبل الفصائل المسلحة والحشد الشعبي. تتضمن هذه الخارطة إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية، ونزع السلاح التدريجي، وتقليم أظافر القيادات ذات الارتباط المباشر والعضوي بطهران. وقد تبدو هذه التقارير مبالغاً فيها جزئياً، لكن مجرد تسريبها وتداولها يعكس حقيقة سياسية ساطعة: اقتران اسم ديفيد بتريوس بملف “ضبط السلاح خارج إطار الدولة” هو بحد ذاته رسالة إنذارٍ سياسية شديدة اللهجة.
رقعة الشطرنج المتغيرة: بين عراق 2007 وعراق اليوم
لقد غيّرت أميركا استراتيجيتها؛ فبينما اقتحمت العراق عام 2003 بالدبابات، تحاول اليوم العودة عبر بوابات إعادة بناء المؤسسة الأمنية، ودعم حكومة مركزية أكثر تماسكاً، وتقليص نفوذ الفصائل، وحماية المصالح النفطية والعسكرية الأميركية، مع قطع الطريق أمام الدب الروسي والتنين الصيني لسد الفراغ. تدرك واشنطن اليوم أن عصر “الاحتلال المباشر” قد ولى، وأن أي حضور جديد يجب أن يكون ذكياً، مرناً، وأقل دموية؛ ولهذا فهي بحاجة إلى عقلٍ كعقل بتريوس، يجمع بين الدهاء الاستخباراتي، والحنكة التفاوضية.
بيد أن المعضلة الكبرى التي ستصطدم بها أي خطة أميركية هي أن “عراق اليوم” ليس “عراق بتريوس الأول”. في الماضي، كانت أميركا قوة الاحتلال المهيمنة، وكانت طهران تبني نفوذها بهدوء في ظل دولةٍ عراقية منهارة. أما اليوم، فالنفوذ الإيراني تغلغل في النسيج المؤسسي، والفصائل المسلحة أضحت جزءاً لا يتجزأ من المعادلة السياسية والاقتصادية. كما أن الشارع العراقي ذاته بات أكثر تعقيداً وأقل قابلية للاستقطاب الأميركي المباشر. لذا، فإن أي محاولة لإعادة “هندسة العراق” ستجابه بمقاومة سياسية شرسة، حتى من قِبل قوى لا تُصنف بالضرورة كحليفة لإيران.
فوبيا الانهيار الشامل.. وهندسة “الصفقة الكبرى”
هل تخشى أميركا انهيار الدولة العراقية؟ بوضوحٍ تام: نعم. تدرك واشنطن أن تشظي العراق اليوم لن يقف عند حدوده، بل سيكون الصاعق لانفجارٍ أمني إقليمي يهدد خطوط الطاقة العالمية، ويوسّع رقعة النفوذ الإيراني، ويُمهد لولادة تنظيمات إرهابية بنسخٍ أكثر تطرفاً. من هنا، أضحت أميركا تتعاطى مع استقرار العراق كركيزةٍ للأمن الإقليمي والدولي، لا كملفٍ محلي معزول، وهو ما يفسر زيارة بتريوس كخطوة “استباقية” لدرء الانهيار الكبير.
في ضوء ذلك، يبرز التساؤل: هل العراق مُقبلٌ على صفقةٍ كبرى؟ الاحتمال قائمٌ وبقوة. ثمة مؤشرات تدل على أن واشنطن لا تبحث عن مواجهة شاملة، بل عن “تسوية طويلة الأمد”، تقوم على إدماج بعض الفصائل، وتحييد تلك الشديدة الارتباط بطهران، مع خلق توازنٍ جيوستراتيجي جديد بين بغداد، وواشنطن، وطهران. لكن التاريخ يُنذرنا بأن العراق طالما كان ساحةً لتصفية الحسابات، لا منصةً لصناعة التسويات المستقرة؛ مما يهدد بتحول مشاريع “إعادة الترتيب” إلى صراعٍ داخلي استنزافي مفتوح.
عودة بغداد إلى “طاولة الحسابات الكبرى”
ما الذي يريده بتريوس في نهاية المطاف؟ من المؤكد أنه لا يبحث عن إنقاذ العراق بوازعٍ “رومانسي” أو أخلاقي، بل يسعى لتحقيق ثلاثة أهدافٍ استراتيجية أميركية براغماتية بحتة:
1. منع السقوط الكلي للعراق في الحضن الإيراني.
2. حماية التوازن الأمني واقتصاديات الطاقة في الشرق الأوسط.
3. ضمان استدامة النفوذ الأميركي في عمق المؤسسات العراقية.
أما الدندنة حول “الديمقراطية والإصلاح”، فلا تعدو كونها مساحيق تجميل أخلاقية لتمرير المصالح الاستراتيجية الكبرى.
إن ظهور ديفيد بتريوس في أزقة المشهد العراقي ليس حدثاً عابراً، ولا يعني مجرد افتقار واشنطن للجنرالات الجدد؛ بل هو إعلانٌ صريح بأن العراق قد عاد بقوة إلى قلب الحسابات العالمية. فبالنسبة للأميركيين، العراق ليس مجرد بئر نفط، بل هو العقدة الجغرافية الأخطر التي تربط إيران، بالخليج العربي، بسوريا، بتركيا. وعليه، فإن مرحلةً جديدة تُطبخ الآن على نارٍ هادئة في بغداد.. مرحلةٌ قد لا تحمل قسوة الاحتلال القديم، لكنها بلا شك تحمل مشرطاً جديداً لإعادة تشكيل التوازنات، وربما.. إعادة تشكيل العراق بأكمله.

