اعتبرت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، في تحليل سياسي واستراتيجي، أن المواجهة المستمرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لم تعد تقتصر على البرنامج النووي الإيراني، بل باتت ترتبط بدور طهران في النظام الاقتصادي العالمي ومحاولتها التحول من دولة محاصرة بالعقوبات إلى لاعب مؤثر في سلاسل الإمداد والتوازنات الدولية.
ورأت الصحيفة أن أكثر من 70 يومًا من الحرب والضربات الأميركية والإسرائيلية المكثفة لم تنجح في إحداث انهيار شامل في البنية العسكرية الإيرانية، معتبرة أن طهران خرجت من هذه المرحلة بوضع «معقّد ومركّب»، يجمع بين الصمود العسكري وتوسيع هامش نفوذها الإقليمي والدولي.
وأشار التحليل إلى أن إحدى أبرز نقاط الضعف في المقاربة الغربية تمثلت في الاعتماد على ما يُعرف بـ«استراتيجية قطع الرأس»، أي استهداف القيادات العليا لإضعاف مؤسسات الدولة، إلا أن هذه السياسة اصطدمت بطبيعة النظام العسكري الإيراني القائم على اللامركزية وتعدد مراكز القرار.
وبحسب التقرير، يعتمد النموذج الإيراني على توزيع الصلاحيات العسكرية والاستخباراتية واللوجستية بين قيادات إقليمية متعددة تمتلك هامشًا واسعًا من الاستقلالية، ما يجعل تعطيل القيادة المركزية غير كافٍ لإحداث انهيار كامل في المنظومة.
كما تحدثت الصحيفة عن وجود آليات داخلية تضمن وجود بدائل جاهزة في المواقع القيادية الحساسة، الأمر الذي حال دون حدوث فراغ داخل المؤسسة العسكرية رغم الاستهداف المتكرر للقيادات.
وفي البعد السياسي، اعتبر التقرير أن الحرب عززت موقع المؤسسة العسكرية الإيرانية، وخصوصًا «الحرس الثوري»، بالتوازي مع انتقال جزء من المواجهة إلى الفضاء المعلوماتي والإعلامي، حيث فرضت السلطات الإيرانية قيودًا واسعة على الإنترنت داخليًا، مقابل استمرار خطاب إعلامي خارجي منظم تديره الدولة.
اقتصاديًا، لفت التحليل إلى أن إيران بدأت بتطوير مسارات تجارية بديلة عبر باكستان وميناء جوادر، بدل الاعتماد التقليدي على موانئ الخليج، في خطوة قد تعيد رسم بعض التوازنات التجارية في المنطقة.
كما سلطت الصحيفة الضوء على الثروات الطبيعية الإيرانية، لا سيما الليثيوم والمعادن النادرة المستخدمة في الصناعات التكنولوجية الحديثة، معتبرة أن هذه الموارد قد تمنح طهران موقعًا متقدمًا في الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الاستراتيجية.
وخلصت «جيروزاليم بوست» إلى أن التطورات الجارية قد تدفع إيران تدريجيًا للخروج من موقع الدولة المعزولة بالعقوبات، لتتحول إلى لاعب جيوسياسي واقتصادي يصعب تجاهله في المرحلة المقبلة.

