انكشاف القوة… كيف تغيّر كل شيء وبقي الخطاب نفسه؟

منى فياض

الحقيقة التي لم يعد ممكناً الهرب منها، أن كل الخطاب الذي حكم لبنان في السنوات الماضية، حول “توازن الردع” و”قوة المحور”، يتهاوى اليوم أمام الوقائع. لم تعد المشكلة أن فريقاً في السلطة يتبنى سردية مختلفة عن المقاومة، بل إن السردية نفسها فقدت أساسها الواقعي.

إيران: من موقع المبادرة إلى موقع المأزق

إيران، التي قُدّمت طويلاً كقوة إقليمية صاعدة تقود مشروع مواجهة، تظهر اليوم كدولة مأزومة تبحث عن مخارج. زيارة دونالد ترامب إلى الصين، وتوجّه محمد باقر قاليباف إليها في توقيت لافت، وتصريحات مسعود بازشكيان التي تعكس ارتباكاً داخلياً، ليست تفاصيل عابرة، بل دلائل على أن طهران انتقلت من موقع المبادرة إلى موقع طلب الحماية.

الأكثر دلالة هو أن قرار الحرب والسلم لم يعد بيدها. حين يعلن ترامب تأجيل ضربة لإيران “احتراماً لرغبة دول الخليج”، فهذا لا يعكس قوة إيرانية، بل العكس: يكشف أن مصير إيران يُناقش من قبل الآخرين، وأنها تحوّلت إلى ملف يُدار ولم تعد لاعباً يدير.

إيران، التي قُدّمت طويلاً كقوة إقليمية صاعدة تقود مشروع مواجهة، تظهر اليوم كدولة مأزومة تبحث عن مخارج

فجوة الخطاب والواقع

ورغم ذلك، تستمر طهران في لغة التهديد، في انفصام واضح بين الخطاب والواقع. وهذه الفجوة هي بالضبط ما يدفع إسرائيل إلى التمادي، وما يدفع بعض أطراف السلطة في لبنان إلى الرهان على التسوية بأي ثمن.

في هذا المشهد، يصبح الحديث عن “محور مقاومة قوي” أقرب إلى إنكار سياسي منه إلى توصيف واقعي. فـ«حزب الله»، الذي استند لعقود إلى قوة إيران الداعمة، يجد نفسه اليوم أمام معادلة مختلفة: غطاء إيراني أضعف، وضغط دولي أكبر، وبيئة لبنانية منهكة بدأت تطرح الأسئلة.

ومع ذلك، يستمر الخطاب نفسه: توازن ردع، وقدرة على المواجهة، كمعادلات ثابتة. بينما الواقع يقول إن هذه المعادلات تتآكل تدريجياً، وإن القدرة على فرض الشروط استُنفدت.

حزب الله ومعادلة الردع المتآكلة

على ماذا يستند «حزب الله» اليوم في معادلة الردع؟

الجواب الصريح: على سردية تكذّبها الوقائع.

فالحزب الذي بنى قوته على كونه جزءاً من محور إقليمي صاعد، يجد نفسه اليوم مرتبطاً بمحور يتراجع تحت الضغط، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً. وهذا لا يعني أنه انهار، لكنه يعني أن سقف قدرته الفعلية أصبح أدنى بكثير من سقف خطابه.

إن خطاب المقاومة، الذي يستند إلى تجربة تاريخية في مواجهة الاحتلال، لم يُحدّث مقاربته بما يكفي لقراءة التحولات الدولية، ويتجاهل أن البيئة الإقليمية تغيّرت.

«حزب الله»، الذي استند لعقود إلى قوة إيران الداعمة، يجد نفسه اليوم أمام معادلة مختلفة: غطاء إيراني أضعف، وضغط دولي أكبر، وبيئة لبنانية منهكة بدأت تطرح الأسئلة.

من سؤال الخيانة إلى سؤال القدرة

من هنا، لم يعد السؤال: هل التفاوض خيانة أم لا؟ بل أصبح: هل لبنان يملك أصلاً ترف الرفض؟

ذلك أن إسرائيل، التي تراقب هذا التحول، تتصرف وفق منطق واضح: كلما شعرت بضعف خصمها – سواء كان الدولة أو المقاومة – تندفع لفرض شروطها. وهذا ما يفسر تصاعد مطالبها، وربطها وقف النار بتنفيذ “نزع السلاح”، مستفيدة من الانقسام الداخلي والتراجع الإقليمي لمحور الممانعة.

الدولة اللبنانية: أزمة سيادة لا أزمة سردية

في الجهة المقابلة، لا يصحّ اختزال موقف الدولة بوصفه “سردية موازية” لسردية الحزب، لأن المشكلة ليست تماثلاً بين طرفين، بل اختلالٌ في طبيعة السلطة نفسها: دولةٌ تحاول استعادة قرارها السيادي، في مقابل تنظيمٍ مسلّح يصرّ على احتكار قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها.

لذلك، لا يمكن قراءة خطوات الدولة كخيار أيديولوجي مقابل “خيار المقاومة”، بل كمحاولة – متعثّرة أحياناً – لإعادة بناء الحد الأدنى من السيادة في ظرف بالغ الهشاشة. فقد تحوّل السلاح من أداة ردع إلى عبء سيادي يعرقل تموضع الدولة في لحظة تحتاج فيها إلى كل عناصر القوة المتاحة.

خطوات ناقصة تفتح المجال أمام إسرائيل

وعليه، لا تكون إشكالية الدولة أنها “تتنازل”، بل إنها تتقدّم بخطوات ناقصة: تفاوضٌ بلا سقف وطني مُعلن، وإجراءات سيادية بلا إطار تنفيذي متكامل، وتواصل خارجي لا يُترجم سريعاً إلى وقائع داخلية.

هذا النقص هو ما يسمح لإسرائيل بالاستمرار في اعتداءاتها، وما يمنح الحزب ذريعة الاستمرار في معادلته القديمة.

هل تستفيد الدولة من اللحظة الدولية؟

لكن المفارقة أن الظرف الحالي يقدّم فرصة نادرة: دعم أميركي واضح، واستعداد إقليمي لتثبيت الاستقرار. وهذا الدعم، إذا أُحسن استخدامه، يمكن أن يتحول من عامل ضغط إلى رافعة سيادية، بشرط أن تعيد الدولة ترتيب أولوياتها:

تثبيت احتكار القرار الأمني

عبر جدول زمني واضح لتنفيذ تعهداتها، لا عبر شعارات عامة عن “حصرية السلاح”.

ربط التفاوض بضمانات واضحة

من خلال ربط أي مسار تفاوضي بضمانات متزامنة وآلية رقابة دولية، لضمان الالتزام بالتعهدات ووقف التدمير الممنهج.

تحويل الدعم الدولي إلى وقائع داخلية

وذلك عبر دعم الجيش والأجهزة، وبناء شبكة أمان اجتماعي تقلّص قابلية المجتمع للاحتواء من أي طرف مسلّح، وتسريع إعادة الإعمار في المناطق المتضررة.

إعادة تعريف مفهوم القوة

أي الانتقال من منطق الردع الموازي للدولة إلى منطق القدرة السيادية للدولة نفسها، حيث تصبح أي قوة خارج هذا الإطار عاملاً مقوِّضاً لا مكمِّلاً.

الخروج من المنطقة الرمادية

بهذا المعنى، لا تكون المواجهة مع إسرائيل رهناً بثنائية “مقاومة/تفاوض”، بل بقدرة الدولة على استعادة موقعها كمرجعية وحيدة. وعندها فقط، يفقد خطاب الحزب مبرّره العملي، لا عبر الصدام الخطابي، بل عبر سحب شروط وجوده.

إن استمرار الحزب في تجاهل التحول الإقليمي، واستمرار الدولة في التقدّم بخطوات غير مكتملة، يضعان لبنان في منطقة رمادية يستفيد منها خصمه. أما الخروج منها، فيمر عبر خيار واحد واضح: تعظيم قوة الدولة، مستفيدة من اللحظة الدولية، قبل أن تنقضي.

السابق
تفاهم تحت النار… واشنطن وطهران تقتربان من صفقة تهدئة كبرى في المنطقة
التالي
ترامب ينشر صورة تصعيدية ضد إيران: وداعاً!