لم تعد أزمات الشرق الأوسط مجرد خلافات سياسية عابرة أو نزاعات حدودية تقليدية، بل تحوّلت المنطقة خلال العقود الأخيرة إلى ساحة مفتوحة لتصارع المشاريع الدولية والإقليمية، حيث اختلط النفوذ بالعقيدة، والسياسة بالسلاح، والاقتصاد بالحروب، حتى بات المواطن العربي الحلقة الأضعف في معادلة أكبر منه بكثير.
فالدول التي كان يُفترض أن تبني مؤسسات حديثة واقتصادات منتجة، وجدت نفسها غارقة في صراعات المحاور والانقسامات الداخلية، بينما تمددت القوى الخارجية داخل فراغ الدولة وضعفها. بعض القوى دخل تحت شعار المقاومة، وأخرى تحت عنوان حماية الأمن القومي، وغيرُها باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن النتيجة في معظم الأحيان كانت واحدة: دول منهكة، واقتصادات مدمرة، وشعوب تعيش القلق والخوف والهجرة.
الاحزاب تتجاوز الدولة
وفي خضم هذا المشهد، تحوّلت الأحزاب العقائدية في كثير من البلدان إلى أدوات نفوذ تتجاوز حدود الدولة نفسها، فأصبح القرار الوطني أحيانًا مرتبطًا بحسابات إقليمية أكثر من ارتباطه بمصلحة المواطن. ومع الوقت، صار الانقسام السياسي يتحول إلى انقسام اجتماعي وطائفي وثقافي، حتى بات أبناء الوطن الواحد يعيشون داخل حقائق مختلفة يصنعها الإعلام الحزبي والخطاب التحريضي.
أما المواطن، فوجد نفسه محاصرًا بين سلطة عاجزة، وأزمات اقتصادية خانقة، وخطابات تعبئة دائمة. يُطلب منه أن يتحمل الفقر باسم الصمود، والخوف باسم الأمن، والانهيار باسم المعركة الكبرى، فيما الطبقات السياسية بمعظمها ما زالت تتقاسم النفوذ والمصالح على حساب الناس ومستقبلهم.
والمشكلة الأخطر أن كثيرًا من شعوب المنطقة لم تعد تناقش مفهوم الدولة نفسها، بل أصبحت تدافع عن الزعيم أو الحزب أو المحور، وكأن الأوطان تحوّلت إلى ساحات ولاء لا إلى كيانات جامعة لكل مواطنيها. وهنا تضيع فكرة المؤسسات والقانون والعدالة، لتحل مكانها لغة التخوين والكراهية والاستقواء بالخارج.
سقوط الشعارات
إن بناء الدول لا يكون بالشعارات المرتفعة ولا بالمزايدات السياسية ولا بالارتهان للمشاريع الخارجية، بل ببناء مؤسسات قوية تحترم الإنسان وتحمي السيادة وتُخضع الجميع للقانون. فالأوطان لا تُبنى بالسلاح وحده، ولا بالإعلام وحده، ولا بالعقائد وحدها، بل بالتوازن بين القوة والعدالة والحرية والاستقرار.
لقد دفعت شعوب المنطقة أثمانًا باهظة من الدم والاقتصاد والهجرة والانقسام، وربما آن الأوان لإعادة طرح السؤال الحقيقي: هل نريد أوطانًا تشبه شعوبها، أم ساحات مفتوحة لحروب الآخرين؟

