قبل أكثر من مئة عام، كتب الشاعر الإنجليزي «ويلفريد أوين» قصيدةً قصيرةً بعنوان «مأثورة الشيخ والشاب»، مستلهِماً قصة إبراهيم وإسحاق (أو اسماعيل)، لكنه منحها نهايةً مختلفةً تماماً؛ نهايةً حوّلتها إلى واحدةٍ من أكثر القصائد إثارةً للأسئلة الأخلاقية حول الحروب، وجعلتها تبدو – كلما اندلعت حرب جديدة – وكأنها تتحدث عن كل زمان ومكانٍ يصبح فيه الإنسان «آخر ما يُفكَّر فيه»، و «أول ما يُضحَّى به».
يقول الشاعرُ في قصيدته التي تتألف من ستة عشر سطراً، إنَّ كثيراً من الحروب لا تستمر لأنَّ البدائل غائبةٌ، بل لأنَّ القادة يرفضون التضحية بغرورهم وبكبريائهم السياسي وعنادهم القومي. ولهذا تتحوَّل قصةُ ابراهيم من روايةِ خلاصٍ وفداءٍ إلى مأساةٍ إنسانية، يصبح فيها الغرورُ السياسي سبباً لاستمرار الحرب وسفك الدماء.
يقول أوين:
«هكذا نهض إبراهيم، وشقَّ الحطب، ومضى،
وأخذ معه النار والسكين.
وفيما كانا يسيران معاً،
قال إسحاق: يا أبتِ،
ها هي النار والحديد،
ولكن أين الحَمَل لهذه المحرقة؟
حينئذٍ ربط إبراهيم الغلام بالأحزمة والقيود،
وشيّد المتاريس والخنادق هناك،
ومدَّ يده بالسكين ليذبح ابنه.
فناداه ملاكٌ من السماء:
لا تمدَّ يدك إلى الغلام،
ولا تفعل به شيئاً.
انظر، كبشٌ عالق في الشجيرة بقرنيه؛
قدِّم كبشَ الغطرسة بدلاً منه.
ولكن الشيخ لم يفعل،
بل ذبح ابنه،
وذبح معه نصفَ نسل أوروبا،
واحداً تلو الآخر».
لا يقدم “أوين” إبراهيم بوصفه الشخصية الدينية في سياقها الأصلي، بل يعيد توظيفها رمزاً لكل قائدٍ أو حاكمٍ أو صاحب قرار يقود أبناء شعبه إلى الحرب، ولكل شيخٍٍ يظن أن التاريخ لا يُكتب إلا بالدم، وأن الكرامة لا تُصان إلا بمزيد من التوابيت.
ليست كل الحروب قدراً لا مفر منه، بل إن كثيراً منها كان يمكن أن يتوقف لو قُدِّم “كبشُ الغطرسة” قرباناً بدلاً من الأبناء والأوطان
أما «الابن» فهو رمز للشباب الذين يدفعون ثمن ذلك القرار، ولأجيالٍ كاملةٍ تُقادُ إلى المصير نفسه، ويُطلب منها أن تدفع ثمن خياراتٍ لم تتخذها،
أما «كبش_الغطرسة» فهو رمز لكل ما كان يمكن التضحية به لتجنيب الناس المأساة. إنه العناد، والغرور، والمكابرة، والأوهام، والحسابات السياسية الخاطئة، والشعارات الفارغة، والخوف من الاعتراف بالخطأ، والاعتقاد بأنَّ التراجع هزيمة، والرهانات المدمرة التي لا يملك حقَّ تقريرها أولئك الذين يدفعون ثمنها، والتي كان يمكن العدول عنها قبل أن تتحول إلى دماء.
ولعل القارئ اللبناني يجد نفسه، اليوم، أمام هذه القصيدة أكثر من أي وقت مضى. وهو يكتشف أن المأساة الإنسانية كثيراً ما تتشابه: فحين تُفتح أبواب الحرب، لا يكون الذين يدفعون الثمن هم أصحاب القرار، بل الشباب الذين يحملون السلاح، والعائلات التي تفقد أبناءها وأرزاقها، والمدنيون الذين يستيقظون على أصوات القصف، والقرى التي تتحول إلى ركام، والناس الذين يجدون أنفسهم بين ليلةٍ وضحاها غرباء عن بيوتهم.
وهنا تكمن الرسالةُ التي تتجاوز حدود الحرب العالمية الأولى وحدود أوروبا أيضاً. فكل حربٍ تبدأ بشعاراتٍ كبيرة، وبوعود بالنصر، وبحديثٍ عن الكرامة والتضحيات، لكنها تنتهي غالباً بالمشهد نفسه: أمهاتٌ يودعن أبناءهن، وأطفالٌ يكبرون بين الأنقاض، وقرى تتحول إلى أطلال، ونزوح يغدو قدراً، وقرى سوف تنتظر سنواتٍ طويلةٍ قبل أن تستعيد بعضاً من حياتها.
حين يعجز الإنسان عن التضحية بغروره، يصبح الأبناء هم الذبيحة، وتصبح الأوطان هي المذبح
وربما لهذا السبب ما تزال قصيدة «مأثورة الشيخ والشاب» إطاراً أخلاقياً لمساءلة الحروب، وما زالت تُقرأ بعد أكثر من قرن على كتابتها؛ لأنها لا تتحدث عن الماضي، بقدر ما تدين الحروب، وتضع أمام كل جيلٍ المرآةَ نفسها، وتترك له الأسئلة نفسها:
ماذا لو امتلك أصحابُ القرار شجاعةَ التضحيةِ بغرورهم قبل أن يطلبوا من شعوبهم التضحية بأبنائها؟!
وكم من تنازلٍ عن وهمٍ، أو تراجعٍ عن شعار، كان كفيلاً بأن ينقذ جيلاً كاملاً من الموت والتهجير والخراب؟!
وأليس صحيحاً أنه حين يعجز الانسان عن التضحية بغروره، يصبح الأبناء هُم الذبيحة، وتصبح الأوطان هي المذبح؟!
وعند هذه النقطة، تستعيد القصيدةُ سؤالها الأخلاقي الكبير: هل كان من الضروري أن يحدث كل ما حدث؟! وهل كانت السكين هي الخيار الوحيد؟!
في الرواية الدينية، يتدخل الملاكُ في اللحظة الأخيرة، ويقدّم كبشاً فداءً للابن مانحاً إياه فرصةً للنجاة، فينتصر الوحيُ على الغريزة، والرحمةُ على الذبح. أما في الواقع السياسي .. فغالباً ما تنتصر الغريزةُ والقسوةُ والدمُ على فُرص النجاة.
ماذا لو امتلك أصحاب القرار شجاعة التضحية بغرورهم قبل أن يطلبوا من شعوبهم التضحية بأبنائها؟!
ليست كل الحروب قدراً لا مفر منه، بل إنَّ كثيراً منها كان يمكن أن يتوقف لو قُدِّم «كبشُ الغطرسة» قرباناً بدلاً من الأبناء والأوطان.
وما دام هناك مَن يرفض أن يذبح غروره قبل أن يذبح أبناء وطنه، فستظل قصيدة “أوين” تُكتب من جديد.
عندما كان بالإمكان إنقاذ الأبناء … لماذا بقيَ «كبشُ الغطرسة» حيَّاً ؟!!
**«ويلفريد أوين» هو ضابطٌ شاب قاتل في خنادق الحرب العالمية الأولى، وتوفي في فرنسا في العام 1918، قبل أسبوع واحد فقط من توقيع هدنة نهاية الحرب العالمية الأولى .

