تتدلى خيوط الدخان الأزرق من بين شفتين خطّت الأيام عليهما تضاريس الأرض، يمسج سيجارته بنفَسٍ عميق، كأنه يحاول استرجاع نسيم الوديان البعيدة الذي افتقده. جالسٌ هو على ذلك الكرسي الخشبي الصغير في زاوية الصف، جسده الثمانيني الذي طالما تحدى الشمس والحرارة يبدو اليوم واهنًا، ليس بفعل العمر، بل بفعل الركود وقلة الحركة. هذا الجسد الذي لم يعرف طبيبًا ولا دواءً طوال عقود، تجتاحه اليوم آلامٌ صامتة، وآهات مكتومة تولد من عتمة الجدران الإسمنتية الصماء التي تحيط به، جدران لا لون لها ولا طعم، تخنق روحه التي اعتادت المدى المفتوح.
بين يديه الخشنتين، اللتين طالما عزفتا على عود الفلاحة ونبشتا التراب وقلّبتا الحجر، يستقر فنجان قهوة مرّ، بديلٌ غريب عن كوب الحليب الطازج الذي كان يرتشفه مع تباشير الفجر الأولى، قبل أن ينطلق إلى حقوله ولا يعود منها إلا مع مغيب الشمس. وجهه المتعب، الذي رسمت مياهه ابتسامة حزينة، يتكلم ألمًا يفوق قدرة الكلمات على الوصف؛ ألم اقتلاع جذور ضربت عميقًا في التراب، ليرى نفسه فجأة ضيفًا في مدرسة، يتقاسم مع عائلته وعشرات العائلات الأخرى غرفًا ضيقة تفتقر إلى روح الحياة.
في جيبه، يتحسس بطاقة الهوية الكرتونية، تلك التي أخرجها له ابنه البكر قبل سنوات ليشارك في واجب الانتخاب، لا يعرف أولئك السياسيين ولم يثق يوماً بوعودهم، لكنه يحتفظ بالبطاقة اليوم لسبب آخر تمامًا؛ إنها الوثيقة الوحيدة المتبقية التي تشهد على أنه مواطن ينتمي إلى هذا الوطن الذي التهمت نيران الحرب حقوله، وأتت على ماشيته التي كان يعرفها بالاسم وتعرفه بالصوت.
يلتزم الصمت الطويل، فالكلام في هذه السن وفي هذه المحنة يفقد معناه. وبدلاً من الحديث، يلوذ بالذاكرة، يفر إلى لغة الزراعة وقصص الطيور التي كان يحاورها. يتذكر شجرة التوت العتيقة التي غرسها يوم وُلد ابنه البكر حسين ، شجرة تجاوزت الأربعين من عمرها، كانت تحضن في ربيعها أجمل زقزقات العصافير الراقصة بين أغصانها. يستحضر في مخيلته حيطان “الجلالي” والسور الحجري الذي انتقى حجارته حجرًا حجرًا من حقوله بيسر وعناية، وينظم في سره غزلًا دافئًا بأشجار الزيتون التي كانت تصطف كالمرصوص في وادي عالي، وبتماوج سنابل القمح الذهبية في مواسم الحصاد والدراسة، ونقل التبن فوق الجمال والدواب.
يقطعه من هذا السرحان ابنه وهو يحمل إليه حصته من طعام المساعدات: معلبات الفول والحمص والتونة والسردين والمرتدلا. يبتسم برقة، لكنها ابتسامة يمتزج فيها العجب بالأسى، وهو الذي كانت “المونة البلدية” تفيض من أوعية بيته لتطعم الأسرة والأحفاد والزوار والجيران.
حين يشتد لغط الأحاديث حوله وتتداخل نقاشات الأولاد عن مجريات الحرب وأحوال النازحين، يتحرك بحركة عفوية تنضح بالأنفة والتعب، مستأذنًا بكلمات قليلة: “أريد أن أنام” أو “سأتمشى قليلًا في الملعب”. يخرج ليمشي بين الحشود المتزاحمة من أطفال ونسوة ورجال جمعتهم المحنة، يعيش بينهم غريبًا عن هذا النمط من العيش.
وعندما يرخي الليل سدوله، ويخلد إلى فراشه المتواضع في غرفة تضم أكثر من أربع عائلات، يجافيه النوم تمامًا. يثبت نظراته نحو سقف الغرفة الإسمنتي، يشعر بالظلمة والعتمة المطبقة تضغط على صدره في تعب شديد، هو الذي اعتادت عيناه المغمضتان أن تستريحا تحت ذيل السماء المفتوحة، ينام على غزل القمر وتوالي النجوم في تشكيلات راقصة خلف حدود أفقه البعيد.

