سلاح حزب الله: من معضلة سيادة إلى مهمة وصاية

وجيه قانصو

لعل حزب الله هو أكثر جهة أقنَعَت الغالبية الكاسحة من اللبنانيين بضرورة المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، وإنهاء حالة الحرب بينهما، والتأسيس لمرحلة السلم. لا يعود السبب إلى أنه قدم وقائع وبراهين عقلية لإقناعنا بهذه المفاوضات، وإنما لجهة أنه ساعدنا على إدراك الحقيقة الفعلية لخيار السلاح الذي روج له لعقود، وقدمه للناس بصفته أداة رادعة ضد أي احتلال إسرائيلي محتمل، ويرسخ معادلة “توازن الرعب”، والضمانة الوحيدة لبقاء الجنوبيين آمنين في قراهم.

سلاح فقد وظيفته وتحول إلى عبء

هذا الخيار لا يكفي القول إنه كان خيارًا خادعًا ومضللًا لعقود، بسبب الفجوة الكبيرة بين واقعه وفاعليته من جهة، وبين ادعاءات وإيحاءات الصورة الإعلامية المصطنعة التي استنفر طاقته الدعائية والإعلامية والخطابية لتقديمها حقيقة فعلية من جهة أخرى. بل لا بد من الالتفات إلى صيرورة هذا السلاح لا عبئًا ومصدر كارثة على الجنوبيين فحسب، وإنما في صيرورته مزعزعًا للاستقرار الداخلي، ومقوضًا لحقيقة الدولة، ومهددًا لفكرة لبنان الكيان.

الانتقام لخامنئي لا يعني الخروج الوظيفي عن مهمة المقاومة فحسب، وإنما التخلي الطوعي والإرادي عنها.

حين أطلق الحزب صليات صاروخية انتقامًا لخامنئي، مع إصراره الصريح على هذا الدافع، وعلمه المسبق بأن هذه الصليات لن تضر إسرائيل بشيء، ويقينه بأن الجنوبيين واللبنانيين سيدفعون ثمن هذه الصليات من نزوح وخوف ورعب ودمار، فهو لا يفعل ذلك اعتباطًا أو ردة فعل غاضبة، بل يترجم ذهنية ونمط تفكير، ويجسد وضعية كانت خفية أو مموهة في السابق، وباتت الآن بينة وجلية.

الانتقام لخامنئي لا يعني الخروج الوظيفي عن مهمة المقاومة فحسب، وإنما التخلي الطوعي والإرادي عنها. فالمقاومة التي تنحصر مهمتها بالدفاع عن الأرض والشعب، لا يوجد في قاموسها، ولا يندرج ضمن مهامها، الانتقام لشخص لا يمت إلى لبنان بصلة. وحين يطلق حزب الله صليته الصاروخية، ويتسبب بدمار كارثي للشعب، ويقدم أعذارًا مجانية لإسرائيل باحتلال الأرض، فإن فعلته هذه تصريح عملي وطوعي من حزب الله بإقالة نفسه من كل ما يتصل بالمقاومة، والإعلان عن تصديه لمهمة جديدة، وهي مهمة الدفاع عن النظام الإيراني.

بهذا النوع من الأداء الجديد، الذي لم يكن في السابق معلنًا، وكان حزب الله يجهد في إخفائه بالادعاء أن النظام الإيراني يساعد الحزب في مهمة المقاومة، انقلبت الوضعية لتكون إمكانات وقدرات حزب الله في خدمة النظام الإيراني، سواء أكان في الدفاع عن هذا النظام، أم جر لبنان بأسره إلى حرب تقتصر منافعها على خدمة الاستراتيجية الإيرانية في إدارة حربها ضد أميركا وإسرائيل، من خلال توسيع مساحة الحرب، وإشغال إسرائيل في حربها ضد حزب الله، وتقديم مادة ابتزاز وأوراق قوة للإيراني تضم إلى لائحة المطالب الإيرانية في معركة تفاوضه مع الأميركي.

ليصبح مصير لبنان مرتبطًا بعقدة مضيق هرمز وترتيباته القادمة، والملف النووي، وملف العقوبات الشائك، التي يبدو أن حلول هذه المسائل صعبة وبعيدة التحقق، ومضطربة وغير مستقرة.

ملامح الوصاية الإيرانية

هذا الربط يزيد من هشاشة لبنان الداخلية، ويضع تعافيه ونهضته واستقراره على لائحة الانتظار الطويل. كما إنه يسلب الدولة اللبنانية القدرة على معالجة أزماتها، بحكم ارتباطها بترتيبات وتفاهمات وإجراءات لا دور للدولة فيها، والأخطر من ذلك كله، أن يُنصِّب النظام الإيراني نفسه مفاوضًا عن لبنان، وإلحاق لبنان جزءًا من سياسته الخارجية واستراتيجيته الأمنية، مع تغييب كامل للدولة، وتنزيلها منزلة المتفرج العاجز والمستلب.

ما يضعنا أمام ملامح وصاية إيرانية مباشرة على لبنان، بدأت تظهر ملامحها بمفاوضات إسلام آباد، ومذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية، والإيقاع الإيراني في مفاوضات سويسرا الأخيرة، وردود الحرس الثوري إثر القصف على الضاحية. ويسهل معها الاستنتاج بأن النظام الإيراني أخذ يتصرف وكأن لبنان ملحق من ملحقاته، أو مقاطعة جغرافية تابعة لسيادته.

هذه الوضعية أحدثت تحولًا جذريًا في مهمة ونشاط سلاح حزب الله، من فكرة مقاومة كان يدعي حيازتها واحتكارها لنفسه، ويطل من خلالها النظام الإيراني في لبنان ليسوغ حضوره ونفوذه، إلى وصاية إيرانية مباشرة بات سلاح الحزب رأس حربتها والداعي إليها.

الفرق بين الاثنين أن فكرة المقاومة كانت وسيلة حزب الله لحيازة مشروعية ذات بعد أخلاقي ووطني من داخل لبنان، أما الوصاية الإيرانية التي باتت علنية، فتُسقط عن هذا السلاح ادعاء المقاومة، وتمنحه مهمة منفصلة ومغايرة بالكامل عن فكرة المقاومة، هي مهمة ترسيخ هذه الوصاية وتحويلها إلى أمر واقع.

في السابق، كان النظام الإيراني يقدم نفسه بصفة الناصح والداعم لقضية لبنانية محلية، أما الآن فيقدم نفسه بصفته صاحب القول الأخير في تقرير مصير لبنان. وفي السابق كان سلاح الحزب هو الواجهة في الداخل اللبناني، والنظام الإيراني يقف خلفه، أما الآن فإن النفوذ الإيراني ووصايته باتا هما الواجهة، وبات السلاح أداته ووسيلته.

فكرة المقاومة كانت وسيلة حزب الله لحيازة مشروعية ذات بعد أخلاقي ووطني من داخل لبنان، أما الوصاية الإيرانية التي باتت علنية، فتُسقط عن هذا السلاح ادعاء المقاومة،

اعادة رسم مستقبل لبنان

هذا يعني أن تطورات الحرب الأخيرة أحدثت تحولاً كاملاً في المشهد اللبناني، نقلت الجدل حول سلاح حزب الله من معضلة داخلية تتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة، لنكون أمام كارثة وصاية إيرانية زاحفة بقوة وإصرار، لا يقتصر تهديدها على ضبط السلاح المتفلت في الداخل، وإنما يصل ليكون مصدر تهديد وجودي لفكرة الكيان اللبناني ولأصل وجود الدولة.

من هنا ندرك ضرورة المفاوضات في واشنطن، التي لم تعد تقتصر على انتزاع الدولة زمام المبادرة لتكون مرجعية أي ترتيب أمني وسياسي مع إسرائيل، وإنما لرسم مستقبل لبنان نفسه في وجوده وحقيقته ومعناه: إما أرض مستباحة بلا شعب ومجموعة قاطنين بلا دولة يسود بينهم منطق الغلبة والقهر، وإما شعب لأرض ودولة لشعب وسيادة لدولة يحكمها الدستور ومنطق القانون. 

قد نختلف في تقييم مخرجات هذه المفاوضات، وتقييم مستويات ووجهات النجاح والإخفاق فيها، بوجود ثغرة هنا وإيجابية هناك.  بيد أن هذا كله يندرج في سياق النقد الذاتي لتصويب الأداء والحصول على أفضل المخرجات والمكاسب الممكنة لصالح لبنان. أما أصل فكرة المفاوضات المباشرة في واشنطن فلم تعد مسألة خيار بل  قضية وجود للبنان.

السابق
استدعاء سلامة ورئيس بنك «عودة» السابق للمثول امام القضاء!