أقام منتدى وموقع «جنوبيّة» ندوة بعنوان «محمّد حسين شمس الدين مفكّرًا ومناضلًا وصديقًا» وفاءً وتقديرًا للمناضل الراحل محمّد حسين شمس الدين، بحضور زوجته سهيلة كاتور شمس الدين وكريمتيه فرح وزينب شمس الدين، إلى جانب المستشار الاقتصادي هادي الأسعد، المفكر والأكاديمي الدكتور وجيه قانصو، الشاعر شوقي بزيع، الدكتورة منى فيّاض، آن فرنجيّة زوجة المفكر السياسي الراحل سمير فرنجيّة، الدكتورة لينا حمدان، الباحثة في مؤسسة سمير قصير وداد جربوع، المحامي سمير عبد الملك، الصحفيين حسن ومصطفى فحص، وعدد من الناشطين والشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية.
علي الأمين: رجل الظلّ وصاحب الطمأنينة الفكرية

استهل رئيس تحرير موقع «جنوبيّة» علي الأمين الندوة بالحديث عن خصال المناضل الراحل الشخصية وهويته الكتابية والفكرية والسياسية، معتبرًا أنّه كان يتمتع بطمأنينة لافتة ودقة ملاحظة جعلت منه مرجعًا لكثيرين في ترتيب الأفكار وحلّ المعضلات الفكرية.
وأشار الأمين إلى أنّ حياة محمد حسين شمس الدين كانت أشبه بنزهة فكرية يبني خلالها أفكارًا متناسقة، وأن مزاجه كان كصفحات الكتب، يقفز بخفة من حدث إلى آخر ومن فكرة إلى أخرى، واصفًا إيّاه بـ«رجل الظلّ» الذي ترك أثرًا عميقًا دون ضجيج.
إبراهيم شمس الدين: إنسان رحب وأنيق الكلمة

من جهته، تحدث الوزير السابق إبراهيم شمس الدين بلغة بلاغية تفكّك شخصية الراحل وخصاله، واصفًا إيّاه بـ«البشري» بالمعنى القرآني للكلمة. وأكد أنّ الراحل كان تلميذًا نهل من معين الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وأن كليهما ينتمي إلى طينة وطنية جامعة.
ورأى شمس الدين أنّ قوة الراحل تمثلت في الرحابة والسكينة اللتين منحتاه قدرة دائمة على التفاعل مع الآخر، مشيرًا إلى أنّ اللغة كانت أداته الطيّعة، فكان أنيق الكلمة، دقيق العبارة، داعمًا أفكاره بالوثيقة والتاريخ، ومدركًا للأدوار ومتأملًا في العقول.
ميشال حاجي جورجيو: قراءة نقدية في الهوية والتراث

بدوره، قدّم الصحفي ميشال حاجي جورجيو قراءة نقدية وفكرية للواقع والتراث الشيعي في لبنان، رابطًا ذلك بشخصية وهوية الراحل محمد حسين شمس الدين.
وأشار إلى أنّ شمس الدين استوحى هويته السياسية والفكرية من مسار فكري ممتد يبدأ بالعلامة السيد محسن الأمين، مرورًا بالإمام موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين، وصولًا إلى السيّدين العلّامة محمد حسن الأمين و العلّامة هاني فحص.
ووصف جورجيو رحيل شمس الدين بأنّه رحيل عن بلد يعاني «مرضين: الشهادة والإبادة»، معتبرًا أنّ تأثيره الفكري كان سلسًا وعميقًا رغم اختياره البقاء في الظل.
حسن بزيع: سيرة نضالية وأبعاد أدبية

أما الكاتب والناشط حسن بزيع فتناول تجربته الشخصية وصداقته مع الراحل، وجاء في كلمته:
حالِي في هذِهِ الأُمْسِيَّةِ الَّتي تَضُمُّ أَساتِذَةً في الفِكْرِ وَالشِّعْرِ وَالأَدَبِ وَالإِعْلامِ وَالصَّحافَةِ وَاللُّغَةِ، كَحالِ مَنْ أَتى يَبِيعُ ماءً في حارَةِ السَّقَّايينَ.
عُذْرِي أَنَّهُ صَدِيقِي وَرَفِيقِي الَّذِي أَضاءَ هذَا العُمْرَ، وَشَمْسُهُ لا تَغِيبُ.
أَراهُ في عُيُونِ سُهَيْلَةَ وَفَرَحٍ وَزَيْنَبَ وَعَلِيٍّ، مِثْلَما أَراهُ في عُيُونِ آمالَ وَمُصْطَفَى وَجادٍ وَرُؤى وَيارا وَمُحَمَّدٍ،وَفي عُيُونِ نُورٍ وَسَمَرَ، الَّذِي هُوَ عَمُّهُمْ وَأَنا خالُهُمْ،في سُؤالِ إِخْوَتِي الدَّائِمِ لِلاطْمِئْنانِ عَنْهُ،في قَصِيدَةِ «البُيُوتِ» لِشَوْقِي الَّتي أَحَبَّها كَثِيرًا، كَأَنَّهُ كانَ يَعْلَمُ،َ أَراهُ في عُيُونِكُمْ وَفي حُضُورِكُمْ.
أَسْعَدَ اللهُ مَساءَكُمْ.
البدايات 1975
النّاسُ كَأَنَّ عَلى رُؤُوسِهِمُ الطَّيْرُ، يَهْرُعُونَ لِلانْتِظامِ في أَحْزابٍ وَتَنْظِيماتٍ لاكْتِسابِ مَهاراتِ وَفُنُونِ الاقْتِتالِ، غَيْرَ مُدْرِكِينَ أَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ وَقُودَ حُرُوبٍ تَتَوالَدُ وَتَتَبَدَّلُ وَتَتَجَدَّدُ وَتَتَّسِعُ، وَتُحْدِثُ كُلَّ هذَا الخَرابِ وَالدَّمارِ الَّذِي نَعِيشُهُ وَنُشاهِدُهُ الآنَ.
كُنَّا في العِشْرِيناتِ مِنَ العُمْرِ، الْتَقَيْنا في رِحابِ ما اتُّفِقَ عَلى تَسْمِيَتِهِ بِالتَّنْظِيمِ الشَّعْبِيِّ اللُّبْنانِيِّ، غُصْنٍ أَخْضَرَ يانِعٍ مِنْ غُصُونِ حَرَكَةِ فَتْحٍ الَّتي تَكاثَرَتْ في سَماءِ البِلادِ.
نَمْضِي النَّهاراتِ بِالتَّدْرِيبِ عَلى أَسْلِحَةٍ خَفِيفَةٍ، وَفي اللَّيْلِ يَنْسابُ صَوْتُ فَيْرُوز:
«غابَ نَهارٌ آخَرُ وَاقْتَرَبَتْ عَوْدَتُنا نَهارًا».
يَتَناوَبُ عَلى تَعْرِيفِنا بِأَفْكارِ حَرَكَةِ فَتْحٍ عَدَدٌ مِنْ كَوادرِ وَقِياداتِ الحَرَكَةِ، فِلَسْطِينِيُّونَ عَرَكَتْهُمُ المَعارِكُ، وَلَوَّحَتْ وُجُوهَهُمْ شَمْسُ المَنافِي بِسُمْرَةٍ داكِنَةٍ.
وَعَلى تَلَّةٍ مِنْ تِلالِ الجَنُوبِ، تَحْتَ ظِلالِ أَشْجارِ زَيْتُونٍ مُعَمَّرَةٍ، يُضِيءُ زَيْتُها مَقامَ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِياءِ اللهِ الصّالِحِينَ،
أَضاءَ زَيْتُهُ لَيْلَ المُخَيَّمِ.
شابٌّ لُبْنانِيٌّ أَشْقَرُ، طَوِيلُ القامَةِ، نَحِيلُ القِوامِ، بَهِيُّ المُحَيّا، عَيْناهُ زَرْقاوانِ غائِرَتانِ نافِذَتانِ،
نَزَلَ عَلَيْنا كَلامُهُ كَالسِّحْرِ،
وَمُنْذُ ذلِكَ اليَوْمِ، وَإِلى آخِرِ أَيّامِ العُمْرِ، فَإِنَّ سِحْرَهُ لَمْ وَلَنْ يَنْتَهِيَ.
في آخِرِ أَيّامِهِ بِالمُسْتَشْفَى، وَأَنا أُحاوِلُ تَبْديدَ الوَقْتِ بِما تَطيبُ لَهُ نَفْسُهُ،
قُلْتُ لَهُ: حَدِّثْنِي يا «شَيْخُ» عَنْ بِداياتِكَ الأُولى في فَتْحٍ.
أَشْرَقَ وَجْهُهُ، وَلَمَعَتْ عَيْناهُ، وَجَلَا صَوْتُهُ بِنَبْرَةٍ واثِقَةٍ، ثُمَّ اسْتَوى عَلى سَرِيرِهِ، تَنَحْنَحَ كَعادَتِهِ، وَقالَ:
«في عامِ 1968 عُيِّنْتُ مُدَرِّسًا في مَدْرَسَةِ شَقْرا الرَّسْمِيَّةِ بَعْدَ أَنْ تَخَرَّجْتُ مِنْ دارِ المُعَلِّمِينَ.
كانَ الجَنُوبُ يَضِجُّ بِأَخْبارِ الفِدائِيِّينَ الَّذِينَ يَعْبُرُونَ تَحْتَ جُنْحِ اللَّيْلِ إِلى الأَرْضِ المُحْتَلَّةِ، وَيَتَلَمَّسُ النّاسُ أَخْبارَهُمْ في اليَوْمِ التّالِي أَوِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ خِلالِ البَلاغاتِ الَّتي يَبُثُّها صَوْتُ العاصِفَةِ.
كُنّا نَحْمِلُ ما تَيَسَّرَ مِنْ خُبْزٍ وَشايٍ وَسُكَّرٍ، وَنَتَسَلَّلُ في السِّرِّ، بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ العَسَسِ وَأَجْهِزَةِ المُخابَراتِ، إِلى الأَوْدِيَةِ المُجاوِرَةِ، فَنَجِدُهُمْ في المَغاوِرِ أَوْ قُرْبَ اليَنابِيعِ أَوْ في دَغَلٍ مُكْتَظٍّ بِالأَشْجارِ.
هُناكَ الْتَقَيْتُ بِالجِيلِ المُؤَسِّسِ لِحَرَكَةِ فَتْحٍ؛ كانَتْ فِلَسْطِينُهُمْ عَذْبَةً وَصافِيَةً وَناصِعَةً مِثْلَ رُوحِ اللهِ،
وَاتَّخَذْتُ اسْمًا حَرَكِيًّا هُوَ الأَخُ عِزَّ الدِّينِ،
نِسْبَةً لِخَلِيلِ عِزِّ الدِّينِ الجَمَلِ، أَوَّلِ شَهِيدٍ لُبْنانِيٍّ سَقَطَ في مَعْرَكَةِ تَلِّ الأَرْبَعِينَ في 15 نَيْسانَ عامَ 68، الَّتي أَتَتْ بَعْدَ أَيّامٍ مِنْ مَعْرَكَةِ الكَرامَةِ الَّتي اعْتُبِرَتِ الانْطِلاقَةَ الحَقِيقِيَّةَ لِلثَّوْرَةِ.
خَرَجَ لُبْنانُ كُلُّهُ في تَشْيِيعِهِ، بِمُسْلِمِيهِ وَمَسِيحِيِّيهِ وَزُعَمائِهِ السِّياسِيِّينَ وَصَحافَتِهِ وَإِعْلامِهِ.
اصْطَفَّ النّاسُ عَلى جَوانِبِ الطُّرُقاتِ مِنَ المَصْنَعِ إِلى بَيْرُوتَ، وَفي الكَحّالَةِ وَغَيْرِها مِنَ البَلَداتِ كانُوا يُنْزِلُونَ النَّعْشَ وَيَحْمِلُونَهُ عَلى الأَكْتافِ.
وَلِقُصُورٍ في إِدْراكِ مَعْنى تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمْ يَدُمْ ذلِكَ طَوِيلًا».
لَمْ تَكُنْ شَقْرا حَدَثًا عابِرًا في حَياةِ مُحَمَّدٍ حُسَيْنٍ.
فَتىً في مُطْلَعِ العُمْرِ، أَتى مُحَمَّلًا بِإِرْثِ عائِلَتِهِ الضّارِبِ في تارِيخِ جَبَلِ عامِلٍ، مِنْ جَدِّهِ الشَّهِيدِ الأَوَّلِ إِلى المُجَدِّدِ الكَبِيرِ الإِمامِ مُحَمَّدٍ مَهْدِيِّ شَمْسِ الدِّينِ، وَحَلَّ ضَيْفًا في دِيارِ السّادَةِ آلِ الأَمِينِ، وَما هُمْ عَلَيْهِ مِنِ اعْتِزازٍ بِالنَّسَبِ وَالأَدَبِ وَبِمَراجِعِهِمُ الكِبارِ.
وَسُرْعانَ ما اكْتَسَبَ ثِقَتَهُمْ وَمَحَبَّتَهُمْ حَتّى صارَ واحِدًا مِنْهُمْ، وَنالَ الحُسْنَيَيْنِ،
وَلَمْ يَتَنازَلْ عَنْ خُصُوصِيّاتِهِ وَطَرِيقَتِهِ في العَيْشِ الَّتي رافَقَتْهُ إِلى آخِرِ العُمْرِ.
وَسَيَبْتَهِجُ، كَعادَتِهِ، اذا ما ذَكَرْتُ لَكُمْ بَعْضًا مِنْها.
ومِنْها أَنَّهُ كانَ مُعَلِّمًا ناجِحًا وَمَحْبُوبًا مِنْ زُمَلائِهِ وَتَلامِيذِهِ، لَكِنَّهُ نَؤُومُ الضُّحى، يَتَأَخَّرُ مِرارًا عَلى دَوامِ المَدْرَسَةِ، حَتّى ضاقَ بِذلِكَ ذَرْعًا صَدِيقُهُ وَأَقْرَبُ النّاسِ إِلَيْهِ أَبُو نَبِيلٍ إِبْراهيمُ الأَمِينُ، فَصَعِدَ إِلى مِئْذَنَةِ الجامِعِ وَنادى عَلَيْهِ عَبْرَ مُكَبِّرِ الصَّوْتِ.
وَمَرَّةً أَتى عَلى نَفْسِهِ، فَذَهَبَ باكِرًا، مَسْرُورًا وَمُبْتَهِجًا، إِلى المَدْرَسَةِ، فَلَمْ يَرَ أَحَدًا، فَإِذا هُوَ يَوْمُ الأَحَدِ.
وَمِنْها أَنَّهُ كانَ شَيْخَ طَرِيقَةٍ في العِشْقِ، وَلَوَّعَ الكَثِيرَ مِنْ قُلُوبِ الصَّبايا، وَلَنْ أَسْتَفِيضَ أَكْثَرَ، فَالْمَجالِسُ بِالأَماناتِ.
في شَقْرا اجْتَمَعَتْ لَدَيْهِ كُلُّ العَناصِرِ الَّتي جَعَلَتْ حُضُورَهُ مُبارَكًا وَمُشارِكًا في مَجالِسِ العُلَماءِ،
وَلازِمًا في مَجالِسِ الأُنْسِ وَالسَّمَرِ،
وَخَبِيرًا مُحَلَّفًا في عُلُومِ الثَّوْراتِ.
وَإِلَيْهِ يَعُودُ الفَضْلُ في إِحْياءِ يَوْمِ الأَرْضِ في 31 آذارَ عامَ 1976، الذي أَلْقى فيهِ ماجِدُ أَبُو شَرارٍ كَلِمَةَ الثَّوْرَةِ، عَلى مَرْمَى حَجَرٍ مِنْ سُكّانِ المستعمرات
سطع نَجْمُهُ في قُرى جَبَلِ عامِلٍ وَجَبَلِ الرَّيْحانِ،
وَبَرَزَ دَوْرُهُ في قِيادَةِ التَّنْظِيمِ الشَّعْبِيِّ اللُّبْنانِيِّ الَّذِي شَهِدَ، مَعَ بِداياتِ الحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ، تَوافُدَ الكَثِيرِ مِنَ الصَّبايا وَالشَّبابِ العائِدِينَ مِنْ بَيْرُوتَ، وَالَّذِينَ رَفَدُوا التَّنْظِيمَ بِحَيَوِيَّةٍ وَنَشاطٍ لافِتَيْنِ، فَمَلَأَ حُضُورُهُمُ الفَراغَ الَّذِي نَشَأَ نَتِيجَةَ غِيابِ الدَّوْلَةِ وَمُؤَسَّساتِها، أَوْ بِالأَحْرى تَغْيِيبِها.
نَأَى التَّنْظِيمُ بِنَفْسِهِ عَنْ حُرُوبِ الأَهْلِ في بَيْرُوتَ وَالجَبَلِ، بِفِعْلِ عَقْلٍ واعٍ وَوازِنٍ، بِلا شَكٍّ،
وَظَلَّتِ العُيُونُ مَشْدُودَةً إِلى فِلَسْطِينِ.
وَفي المَرَّتَيْنِ الَّتَيْنِ شارَكَ فِيهِما بِالحَرْبِ، كانَتِ المَرَّةُ الأُولى عَلى جَبْهَةِ صَيْدا ـ جَزِّينَ، لِمُواجَهَةِ الاحْتِلالِ الأَسَدِيِّ، وَسَقَطَ لَنا فِيها جَرِيحٌ ما كانَ لِيَبْقَى بَيْنَكُمْ لَوْ لَمْ يَتَفانَ رِفاقُهُ وَيَنْتَزِعُوهُ، بَعْدَ مُكابَدَةٍ امْتَدَّتْ لِساعاتٍ، مِنْ فَمِ الذِّئْبِ.
وَالمَرَّةُ الثّانِيَةُ في أَواخِرِ شَهْرِ آبَ مِنْ عامِ 1976، عِنْدَما سَقَطَ لَنا أَرْبَعَةُ شُهَداءَ كانُوا يُواصِلُونَ العَمَلَ لَيْلَ نَهارَ، لِإِبْقاءِ خُطُوطِ التَّواصُلِ بَيْنَ القُرى المسيحية ومحيطها الاسلامي وَتَأْمِينِ احْتِياجاتِها، لِمَنْعِ تَمَدُّدِ الشَّرِيطِ الحُدُودِيِّ.
وَعَلى إِثْرِ هذِهِ الحادِثَةِ، انْقَسَمَتِ الآراءُ حَوْلَ طَرِيقَةِ المُواجَهَةِ:
رَأْيٌ سارَعَ إِلى نَصْبِ المَدافِعِ، وَدَفَعَ بِاتِّجاهِ قَصْفِ البَلَداتِ الَّتي يُسَيْطِرُ عَلَيْها الاحْتِلالُ،
وَالرَّأْيُ الثّانِي ذَهَبَ إِلى عَدَمِ تَحْمِيلِ القُرى المَسِيحِيَّةِ مَسْؤُولِيَّةَ ما أَقْدَمَ عَلَيْهِ العُمَلاءُ، وَإِبْقاءِ سُبُلِ التَّواصُلِ مَفْتُوحَةً مَعَ الأَهالِي. وَتَبَنّى مُحَمَّدُ حُسَيْنٍ هذَا الرَّأْيَ، وَكُنّا مَعَهُ.
وَيَبْدُو أَنَّ هذَا الرَّأْيَ، مَعْطُوفًا عَلى سُلُوكٍ دَأَبَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ حُسَيْنٍ في رَفْضِهِ لِلتَّجاوُزاتِ، أَدّى إِلى تَحَسُّسِ البَعْضِ في قِيادَةِ القِطاعِ الأَوْسَطِ، فَصَدَرَ قَرارٌ بِتَجْمِيدِ عَمَلِهِ مَعَ ثَلاثَةٍ مِنْ رِفاقِهِ في قِيادَةِ التَّنْظِيمِ، بَيْنَهُمْ إِحْدى الأَخَواتِ.
وَاسْتَدْعى ذلِكَ تَدَخُّلَ أَبِي عَمّارٍ، الَّذِي سارَعَ إِلى عَقْدِ اجْتِماعٍ مُوَسَّعٍ في البُرْجِ الشَّمالِيِّ، نَجَحَ في تَلْطِيفِ الأَجْواءِ وَعَدَمِ حُدُوثِ أَيِّ مُضاعَفاتٍ سَلْبِيَّةٍ لِذلِكَ القَرارِ الأَخْرَقِ.
وَلاحِقًا، يَقُولُ مُحَمَّدُ حُسَيْنٍ:
«اسْتَدْعانِي أَبُو عَمّارٍ مَعَ الحاجِّ إِسْماعِيلَ، قائِدِ القِطاعِ الأَوْسَطِ، إِلى مَكْتَبِهِ، وَاسْتَمَعَ بِدايَةً إِلَيْهِ، فَأَدْلى بِدَلْوِهِ، وَمُفادُهُ أَنَّ مُحَمَّدَ شَمْسِ الدِّينِ عَنِيدٌ، وَكَثِيرًا ما يَخْرُجُ عَنِ النَّصِّ، وُصُولًا إِلى الانْتِقاصِ مِنْ فَتْحاوِيَّتِي.
فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ أَبُو عَمّارٍ، رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ، قائِلًا بِلَهْجَتِهِ الفِلَسْطِينِيَّةِ:
“حاجّ إِسْماعِين، نِحْنا دافْنِينُهُ سَوا،
هَذا مُحَمَّد شَمْسِ الدِّين بِيْعَلِّمْنِي وَبِيْعَلِّمَكْ فَتْحْ”.»
وَمَعَ ذلِكَ، جَرَتِ الأُمُورُ إِلى مُسْتَقَرٍّ لَها.
بَدا أَنَّ الواقِعَ أَصْعَبُ مِنْ أَنْ يُؤَثِّرَ في مَجْراهُ أُولئِكَ الرُّومانْسِيُّونَ الحالِمُونَ بِتَغْيِيرِ العالَمِ،
وَمُحَمَّدُ حُسَيْنٍ واحِدٌ مِنْ أُولئِكَ الرُّومانْسِيِّينَ الرّائِعِينَ
. في أَواخِرِ السَّبْعِيناتِ عادَ إِلى بَيْرُوتَ، وَأَكْمَلَ تَحْصِيلَهُ الجامِعِيَّ، وَهُوَ المَفْتُونُ بِاللُّغَةِ. تَواصَلَ وَاسْتَزادَ وَغَرَفَ مِنْ بَحْرِ الشَّيْخَيْنِ وَاللُّغَوِيَّيْنِ الكَبِيرَيْنِ: عَبْدِ اللهِ العَلايِلِيِّ وَصُبْحِيِّ الصّالِحِ.
في اجْتِياحِ 1982، وَالقَصْفُ عَلى أَشُدِّهِ، أَكْمَلَ نِصْفَ دِينِهِ، فَعَقَدَ لَهُ والِدُهُ الشَّيْخُ عَلِيٌّ عَلى حَبِيبَتِهِ سُهَيْلَةَ الرّائِعَةِ وَالاسْتِثْنائِيَّةِ، الَّتي سَكَنَ إِلَيْها وَسَكَنَتْ إِلَيْهِ.
آزَرَتْهُ وَدَعَمَتْهُ، وَأَعْفَتْهُ مِنْ كُلِّ الالْتِزاماتِ البَيْتِيَّةِ، وَأَمَّنَتْ لَهُ كُلَّ ما يَحْتاجُهُ لِيَتَفَرَّغَ لِلْكِتابَةِ وَالعَمَلِ السِّياسِيِّ، وَكانَتْ خَيْرَ سَنَدٍ لَهُ في كُلِّ المَراحِلِ،
وَأَفْرَحَتْ قَلْبَهُ بِفَرَحٍ وَزَيْنَبَ وَعَلِيٍّ.
صَوَّبَ جَهْدَهُ وَنَشاطَهُ في تَسْهِيلِ عَمَلِ المَجْمُوعاتِ الَّتي قاومَتِ الاحْتِلالَ في الجَنُوبِ، في إِطارِ جَبْهَةِ المُقاوَمَةِ الوَطَنِيَّةِ، الَّتي لَعِبَتْ فَتْحٌ دَوْرًا داعِمًا مُؤَثِّرًا وَمُسْتَتِرًا فِيها.
وَلَمْ يَشْغَلْهُ ذلِكَ عَنْ مُواصَلَةِ عَمَلِهِ، طَوالَ عَقْدِ الثَّمانِيناتِ، في البَحْثِ وَالتَّحْقِيقِ في عُلُومِ التّارِيخِ وَالإِسْلامِ وَاللُّغَةِ، وَتَرْجَمَةِ الكتب
احْتَفَلَ مُحَمَّدُ حُسَيْنٍ بِاتِّفاقِ الطّائِفِ، لَيْسَ بِوَصْفِهِ اتِّفاقًا لِوَقْفِ الحَرْبِ فَقَطْ،
بَلْ بِوَصْفِهِ تَسْوِيَةً نَبِيلَةً تُعِيدُ إِنْتاجَ مَعْنَى لُبْنانَ وَمُسْتَقْبَلِهِ.
في أَيّارَ 1993 كانَ عُضْوًا مُؤَسِّسًا في «المُؤْتَمَرِ الدّائِمِ لِلْحِوارِ»، وَهُوَ أَوَّلُ تَشْكِيلٍ سِياسِيٍّ مُخْتَلِطٍ بَعْدَ الحَرْبِ، أَنْشَأَهُ سَمِيرُ فَرَنْجِيَّةَ مَعَ تَوْليفَةٍ مُدْهِشَةٍ جَمَعَتْ إِلَيْهِ كُلًّا مِنَ السَّيِّدِ هانِي فَحْصٍ، وَمُحَمَّدِ حُسَيْنِ شَمْسِ الدِّينِ، وَسُعُودِ المَوْلى، وَحُسَيْنِ بَعْلَبَكِي، وَفارِسِ سَعِيدٍ، وَنَدِيمِ غُسْطِين، وَمَنْصُورِ البُونِ، وَقَيْصَرِ أَبِي اللَّمَعِ، وَرَشِيدِ الجَمالِيِّ، شَخْصِيّاتٍ وَأَسْماءً وَمَجْمُوعاتٍ مُتَنَوِّعَةً مِنْ كُلِّ الطَّوائِفِ وَالمَناطِقِ.
وَأَرْسَى المُؤْتَمَرُ لُغَةَ الحِوارِ مَعَ الآخَرِ المُخْتَلِفِ،
وَالعَيْشَ المُشْتَرَكَ في مُجْتَمَعٍ مُتَعَدِّدٍ مُتَنَوِّعٍ،
وَأَعادَ الِاعْتِبارَ لِمَفْهُومِ التَّسْوِيَةِ الَّتي بِدُونِها لا تَقُومُ لِحَياتِنا قائِمَةٌ.
حَظِيَ المُؤْتَمَرُ بِمُبارَكَةِ مَرْجِعِيَّتَيْنِ كَبِيرَتَيْنِ: البَطْرِيرْكِ صَفِيرٍ وَالإِمامِ شَمْسِ الدِّينِ،
وَأَصْدَرَ مَجْمُوعَةً مِنَ الدَّوْرِيّاتِ وَالوَثائِقِ وَالكُتُبِ، وَكانَ لِمُحَمَّدِ حُسَيْنٍ دَوْرٌ مُؤَثِّرٌ فِيها، وَكَذلِكَ في اللِّقاءاتِ وَالمُبادَراتِ، وُصُولًا إِلى انْتِفاضَةِ الاسْتِقْلالِ 2005، وَحَرَكَةِ 14 آذارَ، الَّتي يَقُولُ عَنْها الشَّيْخُ بِأَنَّها «حَرَكَةٌ مُبارَكَةٌ أَدَّتْ قِسْطَها لِلْعُلَى، وَذلِكَ بِخُرُوجِ جَيْشِ الأَسَدِ مِنْ لُبْنانَ فَقَطْ لا غَيْرَ، وَما عَدا ذلِكَ كانَ حُمُولاتٍ زائِدَةً».
ظَلَّ الشَّيْخُ، مِثْلَ النَّهْرِ، أَمِينًا لِمَجْراهُ؛ كُلُّ قَطْرَةِ ماءٍ سالَتْ في ذلِكَ النَّهْرِ فِيها شَيْءٌ مِنْ مُحَمَّدِ حُسَيْنِ شَمْسِ الدِّينِ، بِتَصَرُّفٍ عَنْ رَفِيقِهِ الدّائِمِ فارِسِ سَعِيدٍ
في عامِ 2006 شارَكَ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ حَسَنِ الأَمِينِ وَنَصِيرُ الأَسْعَدِ، مَعَ مَجْمُوعَةٍ مِنَ المُثَقَّفِينَ وَالنُّشَطاءِ الشِّيعَةِ، في إِطْلاقِ «اللِّقاءِ الشِّيعِيِّ» في العامِلِيَّةِ، الَّذِي أَجْهِزَ عَلَيْهِ ما سُمِّيَ حِينَها بِالِاتِّفاقِ الرُّباعِيِّ.
احْتَفَى بِالرَّبِيعِ العَرَبِيِّ، وَاعْتَبَرَهُ امْتِدادًا لِرَبِيعِ بَيْرُوتَ في الرّابِعِ عَشَرَ مِنْ آذارَ.
وَمَعَ بِدايَةِ الاحْتِجاجاتِ عَلى «نِظامِ الأَبَدِ»، قالَ لِي، وَكُنْتُ عَلى سَفَرٍ:
«عِشْنا لِنَشْهَدَ هذَا اليَوْمَ يا حَسَنُ، كُلُّ الأَيّامِ الآتِيَةِ هِيَ أَيّامٌ زائِدَةٌ».
بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ عامًا، كُنْتُ أُسابِقُ الرِّيحَ كَيْ أَرَى الفَرَحَ العَظِيمَ في عَيْنَيْهِ، عِنْدَما أَخْبَرْتُهُ بِأَنَّ الطّاغِيَةَ قَدْ هَرَبَ، وَأَنَّ الشّامَ أَصْبَحَتْ حُرَّةً.
بَقِيَ خَبَرٌ واحِدٌ في نَفْسِي، كُنْتُ أَتَمَنّى لَوْ أَسْعَفَ العُمْرُ أَنْ أَحْمِلَهُ إِلَيْهِ.
هذَا هُوَ صَدِيقِي الشَّيْخُ، مِثْلَما كانَ يَحْلُو لَهُ وَلَنا أَنْ نُناديَهُ.
قُلْتُ لَهُ مَرَّةً، مِنْ عَلى مِنْبَرِ مُنْتَدى صُورَ:
كَأَنِّي بِكَ «لِيُونَ الأَفْرِيقِيَّ» في رِوايَةِ أَمِينِ مَعْلُوفٍ، تَطُوفُ بَيْنَ المَذاهِبِ وَالآدابِ وَالثَّقافاتِ وَالهُوِيّاتِ وَالأَمْكِنَةِ وَالأَزْمِنَةِ،
وَكَأَنِّه عَسّافَ، بَطَلَ رِوايَةِ «النِّهاياتِ» لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ مُنِيفٍ، الَّذِي أَفْنى عُمْرَهُ يُقاوِمُ التَّصَحُّرَ الزّاحِفَ نَحْوَ الطَّيِّبَةِ،
وَهُوَ لاعِبُ النَّرْدِ في قَصِيدَةِ مَحْمُودِ دَرْوِيشَ، الَّذِي نَجا مَرّاتٍ وَمَرّاتٍ مِنْ شَظايا الحُرُوبِ وَمِنْ خِياناتِ الجَسَدِ، فَلَمْ يَزِدْهُ ذلِكَ إِلّا عِنادًا وَعَبَثًا.
هُوَ فِلَسْطِينِيٌّ؛ فِلَسْطِينِيَّتُهُ لَيْسَتْ مِعْيارًا بَرّانِيًّا مُفارِقًا لِذاتِهِ، كَما يَقُولُ.
وَهُوَ لُبْنانِيٌّ كامِلُ اللُّبْنانِيَّةِ، وَلُبْنانِيَّتُهُ عَلى مِثالِ لُبْنانِيَّةِ صَدِيقِهِ وَرَفِيقِهِ سَمِيرِ فَرَنْجِيَّةَ.
وَهُوَ شِيعِيٌّ عَلى مَذْهَبِ السَّيِّدَيْنِ هانِي فَحْصٍ وَمُحَمَّدِ حَسَنِ الأَمِينِ وَالإِمامِ الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ.
وَفي إِسْلامِهِ، لَمْ يَكُنْ مِنْ هُواةِ نَسْفِ السَّرْدِيَّةِ، بَلْ مِنْ أَنْصارِ نَقْدِها. ذَهَبْتُ مَرَّةً إِلَيْهِ أُحَدِّثُهُ عَنِ الرّازِيِّ الفَيْلَسُوفِ، فَحَدَّثَنِي عَنِ الرّازِيِّ الفَقِيهِ.
وَهُوَ عَرَبِيٌّ، وَعُرُوبَتُهُ مُتَصالِحَةٌ مُتَسامِحَةٌ، عَلى هُدَى ما قالَهُ النَّبِيُّ العَرَبِيُّ الكَرِيمُ:
«أَيُّهَا النّاسُ، إِنَّ الرَّبَّ واحِدٌ وَالأَبَ واحِدٌ، وَلَيْسَتِ العَرَبِيَّةُ بِأَحَدِكُمْ مِنْ أَبٍ وَلا أُمٍّ، وَإِنَّما هِيَ اللِّسانُ، فَمَنْ تَكَلَّمَ العَرَبِيَّةَ فَهُوَ عَرَبِيٌّ».
هذِهِ الدَّوائِرُ، كَما يَقُولُ «الشَّيْخُ»، هِيَ دَوائِرُ انْتِماءٍ يَتَشَكَّلُ مِنْها مَفْهُومُ الهُوِيَّةِ، أَكانَتْ مَوْرُوثَةً أَمْ مُخْتارَةً.
«المَسْأَلَةُ، في نَظَرِي، لَيْسَتْ: أَيَّ دَائِرَةٍ نُفَضِّلُ وَنَخْتارُ كَيْ نُقِيمَ فِيها وَنَطْرُدَ ما سِواها؟ بَلْ كَيْفَ نُجْرِي مُصالَحَةً وَتَسْوِيَةً بَيْنَ مُكَوِّناتِ هُوِيَّتِنا المُخْتَلِفَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَسُّفٍ، لِئَلّا تَغْدُوَ مُكَوِّنات مُتَقاتِلَةً»
وماذا بَعْدُ، أأُحَدِّثُكُمْ عَنْ نَهْرِ الأَحْزانِ الَّذِي كانَ يَفِيضُ في داخِلِهِ، وَلا يُظْهِرُهُ لِأَحَدٍ،
وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ مَرَّةً في أَواخِرِ أَيّامِهِ، وَأَفْصَحَ لِي وَلِصَدِيقِنا حَسَنِ مُحْسِنٍ، فَقالَ:
«أَيُّ عَذابٍ هذَا أَنْ أُوَدِّعَ إِخْوَتِي جَمِيعًا؟»
بَدا وَكَأَنَّهُ قَدْ شَعَرَ بِقُرْبِ الرَّحِيلِ.
عَثَرْتُ لَهُ عَلى نَصٍّ في «جَنُوبِيَّةٍ» يَقُولُ:
«ثَلاثَةٌ وَدَّعْتُهُمْ في هذَا الزَّمَنِ اللُّبْنانِيِّ الصَّعْبِ، هُمْ، عَلى التَّوالِي: هانِي فَحْصٌ، وَسَمِيرُ فَرَنْجِيَّةَ، وَأَنْتَ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ حَسَنُ الأَمِينُ، فَشَعَرْتُ أَنِّي أَدْفِنُ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمْ جُزْءًا مِنْ ذاتِي.
قُلْتُ هذَا لِصَدِيقِي الرّائِعِ حَسَنِ يُزْيع، عِنْدَما كُنّا راجِعِينَ إِلى بَيْرُوتِنا مِنْ شَقْرا المَحْرُوسَةِ، وَإِنِّي لَأَخْشَى اليَوْمَ أَنْ أُوَدِّعَ آخَرِينَ مِمَّنْ سَكَنُونِي دَهْرًا، فَكانُوا وَطَنِي الهارِبَ مِنْ بَيْنِ الأَصابِعِ، ذلِكَ أَنَّ الوَطَنَ هُوَ ما يَسْكُنُكَ لا ما تَسْكُنُهُ».
صَعَّبْتَها عَلَيَّ كَثِيرًا يا صَدِيقِي الرّائِعُ.
هذَا العُمْرُ أَنْتَ شَمْسُهُ وَقَمَرُهُ، بَحْرُهُ وَبَرُّهُ، ساحِلُهُ وَجَبَلُهُ، حُزْنُهُ وَفَرَحُهُ،
الكُتُبُ الَّتي قَرَأْتُها وَالَّتي لَمْ أَقْرَأْها بَعْدُ،
الأَسْئِلَةُ الَّتي أَذْهَبُ بِها إِلَيْكَ فَنُشْبِعُها نِقاشًا،
وَأَعُودُ مُحَمَّلًا بِأَسْئِلَةٍ أُخْرى،
الوُعُودُ وَالأَحْلامُ الَّتي لَمْ تَكْتَمِلْ.
أَنْتَ مِعْيارُ الكَلِماتِ وَالأَفْكارِ وَالآراءِ، وَأَنْتَ مَنْ أَعْطَى المَعْنى لِهذِهِ الحَياةِ.
السَّبْتُ 28 شُباط/فِبْرايِر 2026
في البَيْتِ، قُبَيْلَ الظُّهْرِ بِقَلِيلٍ،
جَلَسْتُ في كُرْسِيِّي المُعْتادِ إِلى جانِبِ جَسَدِهِ المُسَجّى فَوْقَ السَّرِيرِ.
أَزَحْتُ الغِطاءَ قَلِيلًا،
قُلْتُ لَهُ: يا شَيْخُ،
إِنْ كانَ لا حِيلَةَ لِي في رُدَّ الرَّدَى عَنْ هذَا الجَسَدِ،
لَكِنَّنِي سَأَبْقَى عَلى مَحَبَّتِكَ ما حَيِيتُ، وَأُوَرِّثُها إِلى وَلَدِ الوَلَدِ.
عَرَبْصالِيم، قُبَيْلَ الغُرُوبِ بِقَلِيلٍ،
نُذُرُ الحَرْبِ تَلوح فوق سماء لبنان،
وفوق رؤوسنا ونحن
نُوَدِّعُ في ثَرى الرَّيْحانِ رَيْحانَةَ القَلْبِ.
أَنْظُرُ إِلى التُّرابِ الَّذِي يَنْهالُ فَوْقَ القَبْرِ،
أَسْتَحْلِفُ الحَفّارَ أَنْ يَتَباطَأَ قَلِيلًا،
كَأَنَّنِي أَتَشَبَّثُ بِالثَّوانِي المُتَبَقِّيَةِ لَهُ في هذِهِ الدُّنْيا.
حَتّى إِذا أُغْلِقَ القَبْرُ،
شعرت بأن أحدا اغلق العالم.
هشام دبسي: وفاء للقضية الفلسطينية وحنين إلى حيفا

من جهته، تحدث الباحث والكاتب السياسي الفلسطيني هشام دبسي عن علاقته الشخصية والعملية بالمناضل محمد حسين شمس الدين، مستعرضًا عطاءاته للقضية الفلسطينية ومنظمة التحرير، والتعاون البحثي الذي جمعهما.
وتوقف دبسي عند مراحل مرض الراحل وتفكيره الدائم بأحوال لبنان وفلسطين، مشيرًا بلغة وجدانية إلى عشق شمس الدين للبحر لأنه كان يذكّره بمدينة حيفا حيث كان جنينًا في بطن والدته.
وختم دبسي معتبرًا أنّ شخصية محمد حسين شمس الدين تبقى أوسع وأعمق من كل الكلمات والخطابات التي يمكن أن تُقال في حقّه مهما بلغت بلاغتها.




