في لحظة سياسية فارقة، يتصدر مشهد المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية المباشرة واجهة الأحداث الدولية، مدفوعاً بزخم شخصي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومتابعة حثيثة من وزير خارجيته ماركو روبيو.
ومع انتقال ثقل التفاوض إلى العاصمة واشنطن، يبرز سؤال جوهري حول “هوية القرار اللبناني”: هل تنجح الدولة في انتزاع تمثيلها المستقل، أم أن طهران ستظل ممسكة بخيوط الورقة اللبنانية عبر بوابة “حزب الله”؟
استقلال المسار اللبناني: نهاية عهد “التفاوض بالوكالة”
تؤكد المعطيات الدبلوماسية وجود إصرار أمريكي حازم على قطع الطريق أمام أي محاولة إيرانية للتفاوض نيابة عن لبنان، في استعادة لرفض منطق “تلازم المسارات” الذي ساد إبان حقبة الوصاية السورية.
وفي هذا الإطار، يرى السفير اللبناني السابق في واشنطن أنطوان شديد في حديث لـ”النهار” أن المسار اللبناني بات مستقلاً بحكم الأمر الواقع، مشيراً إلى أن المفاوضات في واشنطن تحمل رمزية إنهاء دور القوى الإقليمية كمتحدث رسمي باسم الدولة اللبنانية.
ورغم استبعاد شديد لسهولة المهمة، إلا أنه يشدد على أن سلاح “حزب الله” سيكون بنداً مفصلياً على الطاولة، مع تمسك المسؤولين اللبنانيين بالسيادة الكاملة على كل شبر محتل.
رهانات “عين التينة” وتبريد الأجواء
على ضفة أخرى، يبدو رئيس مجلس النواب نبيه بري متفائلاً “بتحفظ”، حيث ينقل زواره مناخات إيجابية تجاه احتمالية نجاح المفاوضات الأمريكية-الإيرانية الكبرى، والتي يرى فيها بري مدخلاً ضرورياً لفكفكة العقد الداخلية.
ويعكس تواصل بري المستمر مع المسؤولين الإيرانيين، وتحديداً وزير الخارجية عباس عراقجي، رغبة في موازنة الضغوط الدولية مع الحفاظ على “قنوات خلفية” تضمن عدم انفجار الموقف ميدانياً قبل نضوج التسوية.
«الوفاء للمقاومة» تدعو للتصويب: لا بديل عن طهران
داخلياً، برز موقف لافت للنائب علي فياض (عضو كتلة الوفاء للمقاومة)، الذي رحب بما وصفه بـ “تصويب الموقف التفاوضي” من قبل الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام، لجهة الاقتراب من الثوابت الوطنية وإسقاط “أوهام السلام”.
لكن فياض اعتبر أن هذه الخطوات غير كافية، داعياً السلطة اللبنانية إلى الإقلاع عن “التفريط بالمقاومة” والعودة فوراً لفتح القنوات مع إيران. وحث فياض الدولة اللبنانية على استثمار “الكمين الاستراتيجي” الذي يواجهه الجيش الإسرائيلي حدودياً، و”المأزق الأمريكي” ضد إيران، لتقوية الموقف التفاوضي بدلاً من المكابرة.
وبين إصرار واشنطن على حصر التفاوض بالحكومة اللبنانية، ودعوات القوى الحليفة لطهران بضرورة التنسيق مع “العمق الإيراني”، يجد لبنان نفسه أمام اختبار تاريخي لسيادته.
فبينما ينتظر الجميع الرد الإيراني على المقترحات الأمريكية، يبقى السؤال: هل ستكون مفاوضات واشنطن بوابة لخروج لبنان من صراعات المحاور، أم أنها مجرد جولة جديدة من جولات “توزيع الأدوار” الإقليمية؟

