منذ تأسيسه، لم يقم حزب الله على فكرة العمل السياسي اللبناني التقليدي، ولا على أساس اللعبة الديمقراطية داخل الدولة أو حتى داخل الطائفة الشيعية نفسها. الحزب وُلد أساساً كمشروع عسكري – عقائدي مرتبط بفكرة “تصدير الثورة” التي قادها الحرس الثوري الإيراني، ضمن استراتيجية بناء أذرع مسلحة في المنطقة تخدم مشروع ولاية الفقيه ونفوذ النظام الإيراني الإقليمي.
لهذا السبب، يصبح من البديهي فهم سلوك الحزب ومواقفه منذ دخوله حرب الإسناد بعد عملية “طوفان الأقصى” في غزة، ثم فتحه جبهة الجنوب اللبناني في مواجهة إسرائيل. فالحزب يتقن إدارة الحروب المفتوحة أكثر مما يجيد إدارة الدولة أو التعامل مع متطلبات السلم والاستقرار.
الحرب التي كشفت حدود القوة
الحرب الأخيرة في الجنوب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل شكلت اختباراً قاسياً لبنية الحزب العسكرية والسياسية والشعبية. فقد تكبّد الحزب خسائر كبيرة على المستوى البشري والعسكري، فيما تعرض الجنوب اللبناني لدمار هائل طال القرى والبنى التحتية والبيوت والأرزاق.
الأخطر من ذلك أن الحرب كشفت اختلالاً عميقاً في ميزان القوى. فالمواجهة غير المتكافئة أظهرت عجز الحزب عن منع عودة الاحتلال الإسرائيلي إلى أجزاء من الجنوب، كما أظهرت حدود قدرته العسكرية والسياسية في آن واحد.
ومع اتساع حجم الخسائر، بدا الحزب عاجزاً عن تقديم إجابات حقيقية لجمهوره، فحاول نقل كرة النار إلى الداخل اللبناني عبر التصعيد السياسي، واستهداف الدولة ورموزها، وإثارة التوترات الطائفية والمذهبية بهدف شد العصب داخل بيئته ومنع أي اهتزاز داخلي قد يتحول لاحقاً إلى اعتراض علني أو تمرد سياسي واجتماعي.
الخوف من السلم أكثر من الخوف من الحرب
المفارقة أن حزب الله يبدو أكثر ارتياحاً في أجواء الحرب والفوضى منه في ظروف الهدوء والاستقرار. ففي الحرب، يمكن دائماً تبرير الخراب والنزوح وتعليق الأسئلة الكبرى تحت عنوان “المواجهة المفتوحة”. أما في السلم، فإن الناس تعود إلى قراها المدمرة، وتقف أمام بيوت سويت بالأرض، وتبدأ بطرح الأسئلة التي يخشاها الحزب.
ماذا كانت نتيجة كل هذه الحروب؟
ما جدوى هذا السلاح؟
هل حمى الجنوب فعلاً؟
وهل يستطيع أن يبني ما دمرته الحروب؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر قسوة مع عجز الحزب عن الوفاء بوعوده السابقة، خصوصاً تلك المتعلقة بإعادة الإعمار وتعويض الأهالي وتحسين أوضاعهم المعيشية. فالناس التي سمعت وعود “العودة إلى بيوت أجمل مما كانت” بدأت تصطدم بواقع مختلف تماماً: خراب واسع، نزوح مستمر، ضياع اقتصادي، ومستقبل غامض.
السلاح كشرط لوجود الحزب
لهذا يرفض حزب الله الاعتراف بالفشل أو الهزيمة، ويرفض في الوقت نفسه أي نقاش جدي حول التخلي عن السلاح، حتى ولو كانت الكلفة تدمير الجنوب بالكامل. فالحزب يدرك أن سلاحه ليس مجرد أداة دفاع بالنسبة له، بل هو أساس وجوده السياسي والتنظيمي والعقائدي.
من هنا يمكن فهم إصراره على إبقاء حالة الاشتباك قائمة ولو بالحد الأدنى، حتى عبر عمليات محدودة أو إطلاق نار متقطع، لأن استمرار “حالة المقاومة” يمنحه مبرر البقاء ويحميه من مواجهة الأسئلة الداخلية المؤجلة.
ففي أجواء الحرب، يمكن للحزب أن يبرر عدم عودة الأهالي إلى القرى المحروقة والبلدات المحتلة. أما في حال تثبيت الاستقرار، فإن الناس ستعود لترى بأم العين حجم الكارثة، وستطالب بمحاسبة من قادها إلى هذا المصير.
معضلة الحزب: كيف يعيش خارج الحرب؟
المعضلة الحقيقية التي كشفتها هذه المرحلة أن حزب الله لم يُبنَ كحزب سياسي طبيعي يقوم على البرامج الاقتصادية والإصلاحية والاجتماعية، بل تأسس أساساً كتنظيم مسلح. لذلك، كلما تراجع دور السلاح، اهتزت وظيفة الحزب وهويته ودوره.
لهذا يبدو الحزب اليوم غير قادر على النزول عن “شجرة الحرب”، حتى وهي عارية ومحترقة. فهو يدرك أن التحول الكامل نحو الدولة والسلم والاستقرار يعني عملياً الدخول في اختبار جديد لا يمتلك أدواته الحقيقية.
وفي النهاية، تبدو المعادلة التي تحكم الحزب شديدة القسوة:
في الحرب يستطيع أن يستمر، أما في السلام فقد يواجه السؤال الأخطر… لماذا بقي السلاح إذا كان لم يحمِ في الحرب، ولن يبني في السلم؟

