في أعماق الأرض التي تتنفس التاريخ والكرامة، تنبت قصة الروح التي تجسد العزيمة والمواطنة. أنا أنثى جنوبية، ولدت في رحم المعاناة وتحت سماء تضيء بنجوم القذائف التي تلهب الأفق، لتكون تلك اللحظة بداية لملحمة من الصمود. في تلك الليلة، كانت والدتي تتخبط في المخاض تحت وطأة الخوف، وكانت الداية تصل متسللة عبر العتمة وأسوار الضيعة الحجرية، دون أن يقدر الأهل على إشعال النار لتسخين الماء خشية أن يكشف الدخان عين الرقيب المتربص. وفي ساعات الفجر الأولى، وبينما كانت صرختي الأولى تعلن مجيئي إلى الحياة، كانت شظية طائشة تخطف روح أمي، لتتركني طفلة في بيت جدي وجدتي وخالتي التي احتضنتني كأم ثانية، وعلمتني كيف تكون التضحية.
طفولة بين النار والوعي
نشأت في رحاب الضيعة، مزيجًا من النار والخوف والذكاء والتمرد والحياء. عشت تفاصيل الطبيعة؛ أسبح في أشعة الصباح مع الفراشات والسنونو، وأتسابق مع الحساسين وشحرور الوادي على ظهر حمار جدي. كنت أستمع إلى أصوات الحياة والمقاومة، من ترتيل القرآن الكريم إلى صوت الشرق والعروبة وصوت المذياع الذي يروي حكايات العالم، فتعلمت كيف أستلهم من الطبيعة لغتي ومن الأصالة هويتي. لم أبلغ الحلم حتى صرت الصوت الذي يصدح بالمعرفة والوعي، الفتاة الوحيدة التي تجيد قراءة الحروف والآيات في القرية. وحين كان عمي الشيخ يترك طلابه، كان يومئ إليّ لأمسك قضيب الرمان وأحلّ مكانه، لأدير دفة التعليم وأصحح القراءة لأبناء البلدة الذين لم يعتادوا في البداية أن تقودهم أنثى، لكن صوتي القوي والواعي فرض احترامه، فصار يصل صداه حتى القرى المجاورة.
رحلة الوعي وكسر القيود
كانت أيامي مزيجًا من العمل والكرامة؛ أساعد جدتي في رعي الماشية، وأحلب الأنعام وأصنع الألبان، وأروض الصعاب بابتسامة الواثق. وعندما بلغت السابعة عشرة، أصرت النسوة على زواجي من ابن عمي، فوافقت مجاملة لروح العائلة، لكنني لم أجد في ذلك الزواج السكينة، وانتابني اكتئاب داخلي وعزلة. عدت إلى الضيعة لأستعيد ذاتي وعافيتي، وهناك بدأت رحلة الوعي والمواجهة الفكرية. التقيت بالشيخ الذي جاء لخدمة البلدة، ودارت بيننا نقاشات عميقة حول حقوق المرأة والمساواة. كنت أحاجّه بالحجة والعقل والنص القرآني، لأبين أن الإنسانية تتكامل في الحقوق والواجبات، وكنت أجيبه دائمًا بحكمة بالغة لأقول: لأنني أنثى.
انطلقت من قريتي لأصحح المفاهيم وأكسر القيود. لأنني أنثى، حرضت على رفض الاحتلال والدفاع عن الأرض والسيادة. ولأنني أنثى، دعوت الفتيات إلى التعليم وعدم الخضوع للضغوط الاجتماعية. لم أكتفِ بذلك، بل جعلت من قريتي لوحة فنية، أزرع الورود على العتبات والشرفات لتزهر الألفة والمحبة في كل زاوية. وبدأت أجوب القرى، أنشر الفكر النابع من الأرض ومن العادات الأصيلة، وأواجه التحديات بالكلمة الطيبة والعمل الصالح، دون أن أتقيد بقوالب ضيقة. لقد أثبتُّ أن البناء يبدأ من وعينا ومن أصالتنا، وأن المرأة هي صانعة الأجيال وحارسة القيم.
وهكذا، تظل إناث في مسيرتها رمزًا للروح التي لا تنطفئ، إذ تعكس بتجربتها ملحمة التحدي والوعي. إنها تمثل تلك القوة الكامنة في أعماق الأرض، والتي تتجاوز حدود الزمان والمكان لتغدو صوتًا للإنسانية جمعاء. في كل زاوية من قريتها وفي كل عتبة تزينها، تزرع بذور الأمل والجمال، مؤكدة أن النور ينبع من الروح الحرة التي ترفض القيود. إنها تجسد المعنى العميق للمواطنة الصالحة التي لا تعرف الانكسار، بل تستمد من الألم قوة، ومن المعرفة منارة، ومن الأصالة جذورًا راسخة. هي التي علمتنا أن العطاء لا ينضب، وأن الكلمات الطيبة والمبادرات الصادقة هي الجسر الذي ينقلنا نحو غدٍ أكثر إشراقًا، حيث تتكامل القيم وتسمو الروح في فضاءات مفتوحة لا تحدها الأطر ولا تقيدها المعايير الضيقة، بل تبقى مفتوحة على آفاق لا متناهية من المعرفة والمحبة.

