بغداد بين اختبارين: علي الزيدي.. رئيس وزراء تسوية أم إعادة إنتاج للنفوذ؟

علي الزيدي

جاء تكليف علي الزيدي لرئاسة الحكومة العراقية بعد مخاض طويل داخل قوى “الإطار التنسيقي”، ليعكس في جوهره عجز هذا التحالف عن التوافق على الأسماء التقليدية، واللجوء بدلًا من ذلك إلى خيار “تسوية” يحمل في طياته الكثير من علامات الاستفهام.

فالزيدي، الذي لا يمتلك تجربة حكومية متقدمة، يدخل إلى المشهد من بوابة المال والأعمال، لا من بوابة الإدارة السياسية، ما يطرح سؤالًا أساسيًا: هل نحن أمام محاولة لتجديد الطبقة السياسية، أم أمام إعادة تدوير للنفوذ بوجوه أقل صدامية؟

من المالكي إلى الزيدي: اختبار جديد لواشنطن

لا يمكن فصل هذا الترشيح عن تجربة سابقة عندما طُرح اسم نوري المالكي وعاد وسُحب تحت ضغط داخلي وخارجي، في ظل فيتو غير معلن من دونالد ترامب. اليوم، يبدو أن “الإطار التنسيقي” يحاول اختبار المزاج الأميركي مجددًا، ولكن هذه المرة عبر مرشح أقل استفزازًا ظاهريًا.

غير أن خلفية الزيدي المالية، كونه مالك لمصرف الجنوب الاسلامي الذي خضع لعقوبات أميركية، تعيد طرح الهواجس نفسها ولكن بصيغة مختلفة. فواشنطن، التي تضع أولوية لمعيارين أساسيين—الاستقلال عن إيران، وحصر السلاح بيد الدولة—لن تتجاهل هذه المؤشرات بسهولة.

حتى الآن، يشي الصمت الأميركي بسياسة “الانتظار والترقّب”، لكن هذا الصمت لا يعني القبول. بل قد يكون تمهيدًا لمرحلة اختبار دقيقة، تُبنى فيها العلاقة مع الزيدي على أساس أفعاله لا على خلفيته فقط.

إيران: مرشح مريح يمكن تسويقه

في المقابل، يبدو أن طهران تنظر إلى الزيدي كخيار “مريح نسبيًا”. فهو ليس شخصية صدامية، ولا يمتلك حيثية سياسية مستقلة تمكّنه من تحدي نفوذها داخل العراق. وهذا بحد ذاته ميزة من وجهة النظر الإيرانية.

لكن في الوقت نفسه، فان ما يحكى عن قرب الزيدي من المالكي الحليف الاول لإيران من شأنه تأكيد ان توازنات داخلية داخل “الإطار التنسيقي” ما زالت لصالح طهران، رغم فشل تمرير أسماء أكثر وضوحًا في انتمائها السياسي، وهو ما دفعها إلى القبول بشخصية مالية جدلية يمكن تسويقها داخليًا وخارجيًا.

بمعنى آخر، الزيدي قد يكون مرشح “الضرورة” لايران محسوب على البيت الشيعي بالحدّ الادنى الذي يحفظ نفوذها في العراق، وهو ما يجعل مستقبله السياسي مرهونًا بقدرته على المناورة بين مراكز النفوذ المتعارضة.

اتهامات الظل: عبء يلاحق البداية

منذ اللحظة الأولى، طغت الاتهامات المرتبطة بملفات مالية وعلاقات مع جهات مصرفية خاضعة للعقوبات على صورة الزيدي، ما يضعه أمام تحدٍ مزدوج: إثبات شرعيته داخليًا، وكسب ثقة الخارج.

هذه الاتهامات—بصرف النظر عن دقتها—تشكل عامل ضغط مستمر، وقد تتحول إلى ورقة تستخدمها واشنطن أو خصومه المحليون في أي لحظة مفصلية، خصوصًا إذا ما ظهرت مؤشرات على انحياز واضح لمحور دون آخر.

فالعراق اليوم ليس ساحة داخلية فقط، بل عقدة تقاطع إقليمي ودولي. وأي رئيس حكومة لا يستطيع إدارة هذا التوازن بدقة، سيكون عرضة للسقوط سريعًا.

الزيدي أمام مهلة دستورية لتشكيل حكومته، لكنها في الواقع مهلة سياسية لإثبات قدرته على لعب دور “رئيس وزراء العراق”، لا “مرشح الإطار”. فإذا نجح في تقديم نفسه كشخصية مستقلة نسبيًا، قد يحظى بهامش حركة. أما إذا بدا امتدادًا لنفوذ قائم ترعاه ايران، فسيواجه سريعًا جدار الرفض الدولي، وربما إعادة إنتاج سيناريو الإطاحة المبكرة.

تسوية مؤقتة أم بداية أزمة؟

تكليف علي الزيدي لا يبدو نهاية أزمة، بل ربما بداية اختبار جديد. اختبار لمدى قدرة “الإطار التنسيقي” على فرض خياراته، واختبار لواشنطن في كيفية التعامل مع مرشح ملتبس، واختبار للعراق نفسه في الخروج من دوامة المحاور.

بين طهران وواشنطن، يقف الزيدي على حبل مشدود. وأي خطوة غير محسوبة قد لا تسقطه وحده، بل تعيد العراق إلى نقطة الصفر.

السابق
تحول جذري في عقيدة «الموساد»: برنياع يكشف عن اختراقات استخباراتية كبيرة في عمق إيران ولبنان
التالي
رسالة مفتوحة من المفتي قبلان إلى الرئيس عون: دعوة للنفير العام ورفض قاطع لـ «مفاوضات العار»