لبنان بين ضغوط نزع السلاح ومسار السلام: واشنطن تدفع نحو تسوية شاملة وتفصل بيروت عن طهران

White House Donald Trump Marco Rubio Nada Mouawad and Michel Issa.jpg

في ظلّ تزايد الحديث الدولي عن مستقبل لبنان بعد الحرب الأخيرة، تتكثّف المقاربات الأميركيّة للملف اللبناني بين الدفع نحو تسوية سياسيّة شاملة، وربط أي انسحاب إسرائيلي بمعادلات داخلية أبرزها مسألة سلاح حزب الله. وفي هذا السياق، تبرز إشكاليّتان رئيستان: هل خطاب ترمب بعد الجولة الثانية من المفاوضات هو مخطّط طويل الأمد للبنان الجديد؟ وكيف سينعكس ذلك على الداخل اللبناني واحتقان حزب الله سياسيًّا واجتماعيًّا؟

إيلي يوسف: الملف اللبناني أصبح أولوية أميركية


اعتبر الكاتب السياسي في صحيفة الشرق الأوسط إيلي يوسف، في حديث لـ”جنوبيّة”، أنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة لا توافق على استمرار الاحتلال الإسرائيلي، مشيرًا إلى وجود طلب أميركي واضح بالانسحاب الإسرائيلي، إلا أنّ هذا الأمر يبقى مرتبطًا بمسار نزع سلاح حزب الله وتحويله إلى حزب سياسي، وأوضح يوسف أنّ واشنطن تعيش هاجسًا متزايدًا حيال صورة إسرائيل عالميًا، وهو أمر بات يدركه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إذ لم يعد ممكنًا الاستمرار في دعم سياسات تضرّ بالمصالح الأميركيّة.

الكاتب السياسي إيلي يوسف

تبنٍّ أميركي مباشر للملف اللبناني

رأى يوسف أنّ ما جرى في البيت الأبيض شكّل إعلانًا واضحًا عن تبنّي الإدارة الأميركية للملف اللبناني، مع توجّه لفصل لبنان نهائيًّا عن الملف الإيراني. لكنّه أشار إلى أنّ أي اتّفاق محتمل بين لبنان وإسرائيل قد يستغرق أكثر من عام، لأنّ نجاحه يبقى رهن المسار العام في المنطقة، سواء اتّجه نحو الحرب أو التسوية، وما سينعكس عنه على وضع حزب الله.

إدارة الملف عبر الخارجية ومخاوف أمنية أميركية

بحسب يوسف، سيبقى الملف اللبناني بعهدة وزارة الخارجيّة الأميركيّة، خصوصًا أنّ وزير الخارجيّة يشغل أيضًا موقع مستشار الأمن القومي لترمب، وكشف عن مخاوف أميركيّة متزايدة بعد تكليف قائد القيادة الوسطى الأميركيّة متابعة الملف اللبناني، ما يوحي بإمكانيّة تطوّرات مرتقبة، وأشار يوسف إلى حديث عن تعاون أميركي مع دول عربية، بينها السعودية ومصر وسوريا، مؤكّدًا أنّ التقدير الأميركي يعتبر أنّ معالجة الأزمة اللبنانية غير ممكنة من دون نزع سلاح حزب الله. ورغم إدراك واشنطن خطورة تنفيذ هذه المهمة عبر الجيش اللبناني، فإنّ التقديرات الأميركية لا ترجّح انزلاق الأمور إلى حرب أهلية.

دعم الجيش والإصلاحات شرط المرحلة المقبلة

فيما يخصّ المؤسسة العسكرية، كشف يوسف عن ضغوطات داخل الكونغرس تجاه الجيش ووضع شروط لدعمه بالاضافة إلى وجود أصوات تطالب بإقالة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، بالتوازي مع ضغط على الطبقة السياسية اللبنانية لتغيير النهج القائم الذي يسمح لحزب الله بالاستمرار بأسلوبه التقليدي، بهدف إطلاق مسار إصلاحي اقتصادي وسياسي، واصفًا هذا الطرح بأنّه خطاب جديد داخل الكونغرس الأميركي.
ختم يوسف بالتأكيد أنّ النقاشات الجارية في قبرص تعكس ما بدأ يتبلور دوليًا، مشيرًا إلى أنّ لبنان ما زال يتمسّك بالمطالب نفسها التي عبّر عنها رئيس الجمهورية، والتي يمكن تحقيقها مهما كانت طبيعة اتفاق السلام المرتقب.

علي بردى: لبنان جزء من مشروع استقرار إقليمي

في المقابل، رأى الصحفي المختص في الشأن الأميركي والأمم المتّحدة علي بردى، في حديث لـ”جنوبيّة”، أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسعى إلى تفعيل مسار السلام بين لبنان وإسرائيل في إطار محاولة تقديم نفسه كرجل سلام حقّق ما عجز عنه أسلافه في البيت الأبيض.
أوضح بردى أنّ الملف الإسرائيلي يشغل واشنطن منذ عقود، لكن لبنان يحظى بخصوصية لدى إدارة ترمب، كونه البلد الوحيد في المنطقة الذي يتميّز بتعدديته الدينية والسياسية المشابهة للمجتمع الأميركي، إضافة إلى حضور شخصيات من أصول لبنانية ضمن الدائرة المحيطة بالرئيس الأميركي وأدوارها الرسمية المؤثرة.

استقرار لبنان مدخل لاستقرار الشرق الأوسط

أشار بردى إلى أنّ الهدف الأميركي يتمثّل في إحلال الاستقرار في لبنان بما ينعكس على المنطقة ككل، لافتًا إلى أنّ لبنان شكّل تاريخيًا مصدر حماسة لمواجهة إسرائيل امتدّ تأثيره إلى دول مثل سوريا والعراق.
اعتبر أنّ جهود ترمب تتجاوز لبنان نحو إعادة ترتيب الشرق الأوسط تحت مظلّة أميركية تحفظ المصالح الأميركية وتؤمّن حماية إسرائيل، ما قد يؤسس لمرحلة استقرار طويلة وربما لنظام دولي جديد.

الكاتب الصحفي علي بردى

لا إرادة داخلية لحرب أهلية

شدّد بردى على أنّ أي طرف لبناني لا يريد خوض حرب أهلية جديدة، موضحًا أنّ ذاكرة الحرب ما زالت حيّة لدى اللبنانيين، وأنّ إشعال حرب داخلية يحتاج إلى تمويل خارجي واسع، ورأى أنّ حزب الله هو الطرف الوحيد القادر نظريًا على افتعال حرب أهلية، لكنه لا يملك مصلحة بذلك ولا رفاهية اتخاذ قرار كهذا، لأنّ مرجعيته الأساسية تبقى إيران، التي لا ترغب اليوم بالانخراط في صراع داخلي لبناني بعد الخسائر التي تكبّدتها في الحربين الأخيرتين.

السلام لن يقود إلى انفجار داخلي

ختم بردى بالتأكيد أنّ أي اتفاق سلام محتمل بين لبنان وإسرائيل بدعم أميركي ودولي لن يؤدي إلى حرب أهلية، معتبرًا أنّ إيران نفسها دخلت مسار الحوار مع الولايات المتحدة، وبالتالي فإنّ أي مواجهة جديدة ستضاعف الخسائر مقارنة بما تواجهه إسرائيل، ما يجعل خيار التسوية أكثر ترجيحًا في المرحلة المقبلة.

السابق
موظفو الإدارة العامة: تصعيد بانتظار التفاوض
التالي
تقلبات جوية: من الحرارة المرتفعة إلى الأمطار الموحلة والعواصف الرعدية