هل يخاف لبنان من العدالة الدولية أكثر من الحرب؟

فضيل حمّود

لبنان ليس مجرد دولة تعيش تحت ضغط حرب أو تهديد دائم بها. هو، في جوهره، ساحة مفتوحة لصراع إقليمي يتداخل فيه المحلي بالإقليمي والدولي، حيث تُخاض مواجهة إسرائيل وإيران على أرضه عبر وكيل محلي هو حزب الله.

في هذا المشهد، لا تبدو الحرب حدثاً طارئاً، بل حالة شبه دائمة، تتبدل أشكالها وتتغير حدّتها، لكنها تبقى جزءاً من الواقع السياسي والأمني للبلاد.

اليوم، ومع تصاعد العمليات العسكرية، لم يعد الحديث نظرياً. مدنيون يُقتلون، صحافيون يُستهدفون، وسيارات إسعاف ومنشآت صحية تدخل في دائرة النار. في المقابل، تطرح إسرائيل رواية مغايرة، تتهم فيها حزب الله باستخدام البيئة المدنية، بما فيها المباني السكنية ووسائل النقل الصحية، لأغراض عسكرية، وتؤكد أن إطلاق الصواريخ والمسيرات يتم من داخل أحياء مأهولة أو بينها.

بين هذين السردين، يتكثف خطاب “جرائم الحرب”، ويُستخدم بكثافة سياسية وإعلامية.

لكن المشكلة ليست في توصيف الجرائم. توصيف الجرائم سهل، ويمكن لأي طرف أن يقدّم روايته القانونية. المسألة الأكثر تعقيداً تبدأ عندما يتحول هذا التوصيف إلى مسار قضائي فعلي، مستقل، لا يمكن التحكم بنتائجه. هنا تحديداً يدخل لبنان منطقة القلق الحقيقي.

من الطائف إلى الوصاية: إقفال الماضي بدل محاسبته

هذه الحساسية تجاه العدالة ليست جديدة، بل تعود إلى الطريقة التي خرج بها لبنان من الحرب الأهلية. بعد اتفاق الطائف، لم يدخل البلد في مسار عدالة انتقالية، بل اختار إقفال الماضي كخيار سياسي واعٍ.

قانون العفو العام عام 1991 لم يكن مجرد تسوية، بل لحظة تأسيس لنظام يقوم على تعليق الحقيقة بدل كشفها، وعلى تثبيت الاستقرار عبر تجنّب المحاسبة. لم تُفتح ملفات الجرائم الكبرى، ولم يُطرح سؤال المسؤوليات، بل جرى تجاوز كل ذلك باسم “الوفاق”.

منذ تلك اللحظة، لم تُبنَ الدولة على قاعدة العدالة، بل على قاعدة إدارة التوازنات، حيث يصبح كشف الحقيقة تهديداً للاستقرار بدل أن يكون شرطاً له.

وخلال مرحلة الوصاية السورية، ترسّخ هذا النهج أكثر. لم تكن الدولة تملك هامشاً سيادياً لبناء مؤسسات مستقلة، وكان القضاء يعمل ضمن حدود مرسومة سياسياً وأمنياً. العدالة لم تكن أولوية، بل مؤجلة دائماً.

2005: عدالة مضبوطة بدل عدالة مفتوحة

اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 شكّل زلزالاً سياسياً، لكنه لم يؤدِ إلى بناء دولة سيادية مكتملة، بل إلى إعادة تشكيل التوازنات الداخلية.

مع انسحاب النظام السوري، لم تُملأ فراغات الدولة بمؤسسات قوية، بل ظهرت معادلة جديدة أصبحت فيها قوى محلية، وفي مقدمتها حزب الله، جزءاً من بنية السلطة الفعلية، كقوة عسكرية وسياسية مرتبطة بصراع إقليمي أوسع.

في تلك اللحظة، كان يمكن للبنان أن ينضم إلى معاهدة روما المؤسِّسة للمحكمة الجنائية الدولية، أي أن يدخل في نظام عدالة دولي دائم. لكنه اختار مساراً مختلفاً، المحكمة الخاصة بلبنان، وهي محكمة استثنائية محدودة بملف واحد.

هذا الخيار لم يكن تقنياً، بل سياسياً بامتياز، عدالة محددة يمكن احتواؤها، بدل عدالة مفتوحة قد تخرج عن السيطرة وتطال أكثر من جهة وأكثر من ملف.

حتى اليوم، لم ينضم لبنان إلى معاهدة روما، ولم يعترف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ما يعني أن أي مسار دولي حقيقي يتطلب قراراً سياسياً كبيراً، أو تدخلاً دولياً معقداً.

من الاغتيالات إلى المرفأ: الإفلات من العقاب كسياسة

منذ ذلك الحين، لم يعمل لبنان كدولة بمرجعية واحدة، بل كنظام تتداخل فيه سلطات متعددة، حيث بقيت الدولة واجهة، فيما خضع القرار الفعلي لتوازنات القوى.

هذا الواقع انعكس مباشرة على القضاء. التحقيقات تبدأ ثم تتعثر، والقضايا تتحول إلى ملفات معلّقة، لا تُقفل ولا تُحسم، بما يكرّس الإفلات من العقاب كسياسة ممنهجة داخل النظام، لا مجرد نتيجة عرضية له.

تكرّر هذا النمط مع الاغتيالات السياسية بعد 2005، مع أحداث 7 أيار 2008، مع الانهيار المالي عام 2019، ثم مع انفجار مرفأ بيروت عام 2020، الذي مثّل ذروة الانهيار المؤسسي.

بعد المرفأ، طُرحت دعوات جدية لتحقيق دولي، بل وحتى لإشراك المحكمة الجنائية الدولية. لكن الدولة تمسكت بالتحقيق المحلي، الذي تعثّر بدوره بفعل التدخلات السياسية.

في كل مرة، يبدأ المسار القضائي، ثم يتوقف عند حدود السياسة.

2024: الاقتراب من الخط الأحمر

ما جرى في عام 2024 خلال حكومة الرئيس نجيب ميقاتي لم يكن تفصيلاً. للمرة الأولى، اقترب النقاش حول المحكمة الجنائية الدولية من مستوى القرار السياسي، سواء عبر فكرة الانضمام إلى معاهدة روما أو منح المحكمة اختصاصاً محدداً.

لكن هذا المسار لم يكتمل. التراجع كان سريعاً وواضحاً، قبل أن يتحول النقاش إلى خطوة فعلية.

هذا التراجع لا يمكن تفسيره فقط بعوامل تقنية أو قانونية، بل يعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة هذه المحكمة، هيئة مستقلة، تحاسب الأفراد لا الدول، ولا يمكن ضبط نتائج عملها ضمن التوازنات المحلية.

بمعنى آخر، الاقتراب من المحكمة الجنائية الدولية يعني عملياً إخراج ملف العدالة من يد النظام.

الحرب اليوم: حين تصبح العدالة اختباراً للجميع

في ظل الحرب الحالية، يتكثف الحديث عن جرائم الحرب، خصوصاً في ما يتعلق باستهداف المدنيين والصحافيين والعاملين في القطاع الصحي، وهي قضايا تحظى بحماية خاصة في القانون الدولي الإنساني.

لكن هذا القانون نفسه لا يكتفي بتجريم الاستهداف، بل يفرض أيضاً قيوداً صارمة على سلوك جميع الأطراف. فحظر استهداف المدنيين يقابله حظر استخدامهم كغطاء عسكري، وحماية المنشآت الصحية تقابلها قاعدة تمنع استخدامها لأغراض عسكرية.

هنا تحديداً يدخل العامل الأكثر حساسية. فإسرائيل تطرح اتهامات واضحة بأن حزب الله يستخدم البيئة المدنية، ويخزن السلاح داخل مناطق مأهولة، ويطلق الصواريخ من بين الأحياء، بل ويستفيد من بنى مدنية وخدماتية في عملياته.

في المقابل، يُنظر إلى الضربات الإسرائيلية التي تصيب مدنيين وصحافيين ومسعفين على أنها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.

أي أن المشهد، في حال فتح تحقيق دولي مستقل، لن يُقرأ من زاوية واحدة، بل من خلال سلسلة أسئلة مترابطة: من استُهدف؟ أين؟ ولماذا؟ وكيف استُخدمت هذه المواقع؟ وهل كان هناك خلط بين المدني والعسكري؟

وهذا ما يجعل العدالة الدولية، إذا تحولت إلى مسار فعلي، اختباراً لجميع الأطراف، لا أداة اتهام لطرف واحد.

في المحصلة: نظام يخشى الحقيقة أكثر من الحرب

في لبنان، تتداخل المحاصصة السياسية مع الفساد، ومع وجود قوة مسلحة خارج إطار الدولة، ضمن بنية واحدة. في هذا النموذج، لا تُدار الدولة كجهاز سيادي كامل، بل كنظام توزيع نفوذ.

في مثل هذا النظام، لا تبدو العدالة مسألة تقنية، بل مسألة وجودية، لأنها قد تفتح ملفات لا يمكن احتواؤها ضمن التسويات التقليدية.

من الطائف إلى اليوم، لم يُبنَ نظام عدالة، بل نظام لإدارة غيابها. فالحرب، رغم كلفتها، يمكن احتواؤها ضمن ميزان القوى، أما العدالة الدولية، إذا بدأت فعلياً، فلا يمكن ضبطها أو توجيهها.

ولهذا، لا يبدو رفض الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية مجرد خيار قانوني، بل نتيجة منطقية لبنية سياسية أعمق.

في لبنان، قد تكون الحرب خطراً دائماً. لكن العدالة، عندما تصبح دولية ومستقلة، قد تكون الخطر الأكبر.

السابق
7 حروب لترامب لنزع سلاح حزب الله!
التالي
اليونيفيل تنعى جنديًا إندونيسيًا قضى في لبنان: «جرائم حرب»!