في خضمّ التصعيد الإقليمي المتسارع، تبرز سوريا كعنصر أساسي في معادلة التوازنات المحيطة بلبنان، وسط محاولات دولية وإقليمية لجرّها إلى ساحات اشتباك جديدة. إلا أن قراءة موقف دمشق، كما يقدّمها الدكتور بلال اللقيس، تكشف عن مقاربة أكثر تعقيدًا، تقوم على الحذر الاستراتيجي وتفادي الانخراط المباشر، رغم الضغوط ومحاولات الاستثمار السياسي والإعلامي.

موقف سوري رافض للعدوان
يرى اللقيس أن الموقف السوري، منذ اندلاع الجولة الأخيرة من الحرب، اتسم عمومًا بالإيجابية، سواء على مستوى الشارع أو في التصريحات الرسمية. فقد برزت إدانة واضحة للعدوان الإسرائيلي على لبنان، وجرى تحميل إسرائيل المسؤولية بشكل صريح، من دون الوقوع في فخ تبرير الهجمات أو تغطيتها، كما فعلت بعض القوى السياسية داخل لبنان.
ويذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن موقف دمشق بعد أحداث “الأربعاء الأسود” جاء أكثر وضوحًا وحسمًا من مواقف أطراف لبنانية، وهو ما ساهم في تبديد جزء من المخاوف التي حاولت الولايات المتحدة تضخيمها أو البناء عليها.
حزب الله وسوريا: فكّ اشتباك محسوب
في موازاة ذلك، يلفت اللقيس إلى أن حزب الله تعامل بإيجابية مع التحولات السورية، حيث أعلن بوضوح ابتعاده الكامل عن الساحة السورية، مؤكدًا أن أولويته تتمثل في وحدة سوريا واستقرارها وتوافق شعبها.
هذا التموضع، بحسب اللقيس، حمل رسائل تطمين متعددة الاتجاهات، مع تأكيد ضمني على رفض أي مسار تطبيعي محتمل بين دمشق وتل أبيب، انطلاقًا من قناعة بأن المزاج العام السوري، بمختلف مكوناته، لا يزال في موقع العداء لإسرائيل.
دور حاسم للجيش اللبناني
لم يُنكر اللقيس أن المرحلة الأولى من التصعيد شهدت قلقًا حقيقيًا، خصوصًا مع الحشود المسلحة المتنوعة الجنسيات على الحدود اللبنانية-السورية. غير أن هذه المخاوف تراجعت تدريجيًا، مع بروز ثلاثة عوامل أساسية:
أولًا: المزاج الشعبي السوري الرافض للعدوان الإسرائيلي
ثانيًا: استعادة المقاومة لزخمها وحيويتها
ثالثًا: انتشار الجيش اللبناني على الحدود، ما عزّز الاستقرار ومنع أي خروقات من مجموعات غير منضبطة أو مدفوعة من جهات خارجية
ويشير إلى أن هذا الواقع أعاد الطمأنينة تدريجيًا إلى عشائر البقاع، التي كانت الأكثر حساسية تجاه أي تطورات حدودية.
يلفت اللقيس إلى أن حزب الله تعامل بإيجابية مع التحولات السورية، حيث أعلن بوضوح ابتعاده الكامل عن الساحة السورية، مؤكدًا أن أولويته تتمثل في وحدة سوريا واستقرارها وتوافق شعبها.
بيئة حزب الله: شعور متصاعد بالاقتدار..
بحسب اللقيس، تعيش بيئة حزب الله اليوم حالة من الثقة المتزايدة، مدفوعة بإحساس بالقدرة على التأثير ضمن معادلة دولية أوسع، وبأن عامل الردع لا يزال فاعلًا.
لكن هذه الثقة لا تلغي الحذر، إذ يشدد على ضرورة التنبه لمجموعات متفلّتة قد تكون مدعومة من أطراف إقليمية، من بينها الإمارات العربية المتحدة، والتي تُتهم بالتحرك خارج السياق العربي العام، وبالقيام بأدوار تتقاطع مع الاستراتيجية الأميركية.
تركيا وإسرائيل: صراع نفوذ يقيّد القرار السوري
في قراءة أوسع، يربط اللقيس الموقف السوري بتوازنات إقليمية معقدة، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة حاولت الضغط على دمشق للانخراط في مسارات معينة، لكن تعددية مراكز القرار داخل النظام حالت دون ذلك.
ويبرز هنا دور تركيا، التي يُعتقد أنها مارست تأثيرًا إيجابيًا في منع انزلاق سوريا إلى مواجهة ليست في صلب مصالحها. فأنقرة، بحسب اللقيس، ترى أن أي تورط سوري إضافي سيصبّ في مصلحة إسرائيل، في ظل تنافس استراتيجي واضح بين الطرفين على الساحة السورية، وهو تنافس ظهر بوضوح منذ سقوط النظام السابق.
صراع على الورقة السنية
ينتقد اللقيس بشدة الخطاب الإعلامي التصعيدي في لبنان، معتبرًا أنه مبالغ فيه ومفتعل من قبل خصوم حزب الله، بهدف استدراج الرئيس أحمد الشرع إلى الساحة اللبنانية.
ويشير إلى أن بعض القوى، ولا سيما القوات اللبنانية، كانت تراهن على استثمار الظرف لإحداث مواجهة داخلية، لكن هذه المحاولات أخفقت، خصوصًا مع غياب التأييد الشعبي السني لهذا الطرح، ما أدى إلى سقوط ورقة التحريض المذهبي.
السيناريو السعودي: بين الاستحالة والمبالغة
في ما يتعلق بفرضية الضغط السعودية على سوريا للتدخل في لبنان، يصف اللقيس هذا الطرح بأنه “خيالي”، مستندًا إلى عدة اعتبارات:
عدم وجود حالة عداء مباشر بين المقاومة والسعودية
محدودية قدرة دول الخليج على خوض حروب مباشرة
فشل الولايات المتحدة، رغم قوتها، في كسر محور المقاومة
كما يرى أن أي محاولة لاستخدام الساحة السورية ضد لبنان ستخدم إسرائيل أولًا، وستصطدم بتضارب المصالح الإقليمية، خصوصًا بين السعودية وتركيا والعراق.
ويضيف أن موقع السعودية الاقتصادي، المرتبط بممرات حيوية كـمضيق هرمز والبحر الأحمر، يجعلها أكثر حذرًا من الانخراط في مغامرات قد تهدد استقرارها.
ينتقد اللقيس بشدة الخطاب الإعلامي التصعيدي في لبنان، معتبرًا أنه مبالغ فيه ومفتعل من قبل خصوم حزب الله، بهدف استدراج الرئيس أحمد الشرع إلى الساحة اللبنانية.
توازنات دقيقة… وسوريا خارج فخ الاستدراج
في المحصلة، تعكس قراءة اللقيس لموقف سوريا مزيجًا من الحذر والبراغماتية، حيث نجحت دمشق، حتى الآن، في تفادي الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، رغم الضغوط والتجاذبات.
وبينما تستمر محاولات توظيف الساحة السورية في الصراع اللبناني-الإسرائيلي، يبدو أن المعادلة الإقليمية، بتشابكاتها المعقدة، لا تزال تفرض على الجميع سقوفًا يصعب تجاوزها. أما جبهة المقاومة، كما يختم اللقيس، فلا تسعى إلى توسيع دائرة الصراع مع دول الخليج، بل تركز على تثبيت الاستقرار وفتح قنوات تواصل إيجابية، في وقت ينحصر فيه التصعيد العسكري باستهداف الوجود الأميركي في المنطقة دون غيره.

