لبنان المُستباح بين فائض العربدة الإسرائيلية ووظيفة الارتهان الإيراني

الحرب في لبنان

في هذا الشرق الذي تُدار فيه الخرائط بدمٍ بارد اصبح الانفجار قاعدة فيما الهدوء هو الاستثناء المؤقت ،ولبنان اليوم في ظل هدنة مؤقتة يقف عاريًا من أي حماية فعلية، مكشوفًا أمام من يملكون قرار إشعال النار أو إخمادها وفق مصالحهم.

لا سيادة تُصان، ولا حدود تُحترم بل مساحة رخوة تُستخدم وتُستنزف.
هنا لا تُخاض الحروب من أجل لبنان، بل تُخاض عليه ولا تُعقد الاتفاقيات لإنقاذه، بل لتنظيم استخدامه، فبين هدنة لا تعيش، وتصعيد لا يموت، يتأكد أن هذا البلد لم يعد يُعامل كوطن، بل كأداة.

في الجغرافيا التي يُعاد رسمها بالنار لا يعود الوطن وطنا ولبنان في لحظته الراهنة، لم يعد كيانًا سياسيًا مكتمل الإرادة، بل مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، تُدار حدوده بقرارات خارجية وتُقاس قيمة أرضه بمدى قابليتها للاستخدام.

هنا، لا تُعلن الحروب رسميا بل تُدار على شكل جرعات محسوبة من العنف ولا تُصنع التسويات لإنهاء الصراع، بل لإعادة تدويره بشروط جديدة،وبين هدنة واهية لا تصمد أمام أول اختبار، وتصعيد يتكرر كطقسٍ يومي، يتكرّس واقع أكثر قسوة مفاده ان لبنان ليس طرفا في المعادلة، بل مادتها الخام.

ضمن هذا السياق، جاء الإعلان عن وقف إطلاق النار لأسبوع مؤخرًا كإجراء تقني أكثر منه تحوّلًا سياسيًا،اتفاق بلا عمق سيادي، وبلا ضمانات قابلة للحياة، وبلا إطار يُعيد الاعتبار للدولة اللبنانية كمرجعية نهائية للسلم والحرب.

لم يكن مفاجئًا أن تتهاوى الهدنة عمليًا تحت وطأة تصعيد متجدد

هو، في جوهره، إعادة ترتيب لإيقاع الاشتباك، لا كسره إذ كيف يمكن لاتفاق أن يصمد، فيما أحد أطرافه لا يحتكر القرار، والآخر لا يعترف أصلًا بحدود هذا القرار؟ من هنا، لم يكن مفاجئًا أن تتهاوى الهدنة عمليًا تحت وطأة تصعيد متجدد، يؤكد أن ما جرى لم يكن إلا استراحة تكتيكية في حرب مؤجلة.

وإذا كان الظاهر يوحي بثنائية صراع بين إسرائيل وحزب الله، فإن الباطن يكشف شبكة أعقد من المصالح والتقاطعات،فالتفاهمات المتزامنة بين إيران والولايات المتحدة لا تُقرأ كإشارات تهدئة بقدر ما تُفهم كآليات ضبط للصراع، تُبقي الجبهات ضمن سقوف محسوبة،فإيران، التي أتقنت إدارة الحروب بالوكالة، لا تُطفئ النيران، بل تتحكم بدرجة اشتعالها ،توافق هنا لتُحصّن موقعها هناك، وتُبقي ساحات مثل لبنان في حالة جهوزية دائمة، كأوراق تفاوض لا يجوز حرقها بالكامل.

ما يجري في الجنوب ليس سلسلة عمليات معزولة بل ترجمة لعقيدة أمنية

في المقابل، تمارس إسرائيل نمطا متصاعدًا من استخدام القوة يتجاوز منطق الرد إلى منطق الفرض، فما يجري في الجنوب ليس سلسلة عمليات معزولة بل ترجمة لعقيدة أمنية تعتبر أن الاستنزاف المنهجي للخصم، وتوسيع هامش الضرب، وفرض وقائع ميدانية مستمرة، كفيل بإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.

القصف الذي يطال المنازل، والانتهاكات المتكررة للسيادة، لا يمكن اختزالها في خطاب (الدفاع) لأنها، ببساطة، تتجاوز حدوده إلى تكريس واقع تكون فيه القوة هي القانون الوحيد.

غير أن الإدانة، إن توقفت هنا، تصبح انتقائية،فالمأزق اللبناني ليس فقط في عدوان خارجي، بل في بنية داخلية سمحت بتحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة.

حزب الله، الذي نشأ ضمن سياق مقاومة الاحتلال، انتقل تدريجيًا من موقع الفاعل المحلي إلى موقع الامتداد الإقليمي،لم يعد قرار المواجهة يُقاس بميزان المصلحة اللبنانية، بل بإيقاع صراع أوسع تقوده طهران،وهنا تحديدًا ينكسر مفهوم السيادة فحين يُتخذ القرار المصيري خارج المؤسسات، وتُفرض نتائجه على الداخل كأمر واقع.

تُرفع قيمة التضحية إلى حد يُلامس التقديس، ويُعاد تعريف الحياة نفسها كمرحلة ثانوية أمام (الواجب)

الأخطر من ذلك ليس فقط في القرار، بل في الخطاب الذي يبرره، إذ جرى، على مدى سنوات، إعادة صياغة فكرة (المقاومة) لتتحول من خيار دفاعي مشروط إلى عقيدة شبه مغلقة، (من وسيلة إلى هدف) تُقصي السؤال وتُجرّم المراجعة.

تُرفع قيمة التضحية إلى حد يُلامس التقديس، ويُعاد تعريف الحياة نفسها كمرحلة ثانوية أمام (الواجب) ،ومع ذلك، لا يمكن – ولا يجوز – التقليل من شأن من يقاتلون أو الاستخفاف بدمائهم،هؤلاء أفرادٌ حقيقيون، لهم حيواتهم وأحلامهم التي قُطعت،لكن المأساة تكمن في السؤال الذي يُؤجل عمدًا: هل كان قدرهم أن يموتوا؟ أم أن السياسات التي دفعتهم إلى الموت كان يمكن تفاديها أصلًا؟

من جهة أخرى، لا تُخفي الوقائع أن ما يُسمّى (تهدئة) لم ينجح في كبح مسار التصعيد،(العمليات المتبادلة، الرسائل النارية، واختبار الخطوط الحمراء، كلها مؤشرات على أن الجبهة تُدار كمساحة ضغط مستمر، لا كملف يُراد إغلاقه.

كل طرف يُحافظ على مستوى من العنف يكفي لتحقيق أهدافه دون الانزلاق إلى حرب شاملة، ما يخلق حالة استنزاف مزمنة يدفع ثمنها المجتمع اللبناني بكل مكوناته(اقتصادًا، وأمنًا، واستقرارًا نفسيًا.

هكذا، يجد لبنان نفسه في موقع لا يُحسد عليه،(دولة مُفرغة من قرارها، وحدود مُخترقة، وسلطة عاجزة عن فرض احتكارها المشروع للعنف).
إسرائيل تفرض معادلاتها بقوة النار، وإيران تدير نفوذها بقوة الشبكات، وبينهما وطن يتحول تدريجيًا إلى منصة رسائل.

أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط ما يحدث بل ما يُراد له أن يصبح طبيعيًا، أن يُعتاد القصف

هنا، لا يعود الوصف البلاغي كافيًا ،نحن أمام تلاقٍ صريح بين عربدة عسكرية لا رادع لها، وارتهان سياسي لا سقف له.
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط ما يحدث بل ما يُراد له أن يصبح طبيعيًا، أن يُعتاد القصف، وأن يُبرر الانتهاك، وأن تُختزل السيادة إلى شعار.

هذا التطبيع مع الاختلال هو الهزيمة الحقيقية، لأنه يُفرغ الاعتراض من معناه، ويحوّل المأساة إلى روتين.
في المحصلة، لا يمكن بناء مستقبل على معادلة تقوم على فائض قوة من جهة، وفائض تبعية من جهة أخرى ،كلاهما، بطريقته يُسهم في تقويض ما تبقى من الدولة.

لا العربدة الإسرائيلية قدرٌ لا يُرد، ولا الارتهان الإيراني خيارٌ لا بديل عنه، وبين هذين الحدّين، تضيع حقيقة بسيطة ،أن لبنان، كفكرة وكيان، لا يمكن أن يستمر إذا بقي مادة في صراعات الآخرين.

والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بحدة توازي حجم الكارثة ،ليس من انتصر في جولة، أو من ردّ على من، بل إلى متى سيبقى هذا البلد ساحةً يُقاتل فيها الآخرون، فيما يُطلب من أبنائه أن يدفعوا الفاتورة بصمت؟ حين نصل
لجواب مؤجلًا إلى ما لا نهاية، ندرك أن الأزمة لم تعد في الحرب نفسها، بل في القبول بها كحالة دائمة.

السابق
حادثة مرعبة: جريح من حزب الله يزحف من بنت جبيل إلى عين إبل.. عملية إنقاذ وسط تهديد بقتله
التالي
لبنان يربط التفاوض بالهدنة… وواشنطن تدخل مباشرة على خط المحادثات