في مشهد يعكس حالة من «التخبط الاستراتيجي» والتمزق البنيوي، لم تعد منابر صلاة الجمعة في إيران مجرد مساحات للوعظ الديني أو التعبئة التقليدية، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى «ساحات لتصفية الحسابات السياسية» ومركزاً لتبادل الاتهامات بين أجنحة النظام.
إن ما بثه التلفزيون الحكومي الإيراني مؤخراً من مقتطفات لخطب الجمعة في مدن مختلفة، لم يكن مجرد تصريحات عابرة، بل كان إعلاناً صريحاً عن «شرخ عميق» يضرب في جوهر النظام، حول كيفية إدارة ملفين مصيريين: أزمة «مضيق هرمز» الاستراتيجي، ومسار المفاوضات المتعثر مع الولايات المتحدة.
«منبر يزد»: دعوات متطرفة لإغلاق الممرات الدولية
في مدينة يزد، اتخذت لغة الخطاب منحىً أكثر راديكالية وهجومية. فقد طالب إمام صلاة الجمعة هناك بصراحة تامة بـ «إغلاق مضيق هرمز»، واصفاً هذا الإجراء بأنه يمثل «قنبلة إيران النووية» التي تفوق في تأثيرها أي سلاح تقليدي. لم يتوقف الخطيب عند حدود التحليل العسكري، بل استعرض لغة تحريضية تدعو لـ «الضغط على حنجرة العدو»، معتبراً أن الحضور الميداني الاستعراضي في الشوارع هو الأداة الفاعلة الوحيدة للنظام، بدلاً من الدبلوماسية.
واللافت في هذه الخطبة أنها تضمنت هجوماً لاذعاً على المسؤولين الحكوميين، محذرة إياهم من «التهور في التصريحات عبر الفضاء الإلكتروني»، وذلك في إشارة مباشرة إلى الارتباك الذي أحدثته تغريدات بعض المسؤولين حول فتح المضيق مؤقتاً.
وبدلاً من ترك الباب مفتوحاً لأي تسوية، وضع خطيب يزد «شروطاً تعجيزية» لأي مفاوضات مستقبلية، على رأسها «تسليم قتلة قاسم سليماني وحسن نصر الله»، وهو مطلب يعلم الجميع أنه يضع أي مسار دبلوماسي في طريق مسدود تماماً، ويجعل من التسوية السياسية ضرباً من المستحيل.
«أحمد خاتمي»: تحذيرات من «ابتسامة العدو»
وفي العاصمة طهران، كان المشهد يكتسي صبغة أكثر رسمية وإلزامية، حيث قدم أحمد خاتمي، إمام صلاة الجمعة المعين من قبل «الولي الفقيه»، رؤية تعكس العقلية الأمنية المتشددة للنظام. وجه خاتمي رسائل تحذير صارمة إلى فريق التفاوض التابع للحكومة، مطالباً إياهم بتبني «أقصى درجات التشاؤم» تجاه الجانب الأميركي.
وفي إشارة واضحة ومباشرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، شدد خاتمي على أن «ابتسامة العدو» هي «فخ مدبر» لا ينبغي الركون إليه. إن هذه التحذيرات تعكس حالة من الرعب داخل التيار المتشدد من احتمالية وقوع الفريق الحكومي في «فخ التنازلات». بالنسبة لهؤلاء، فإن أي انفتاح دبلوماسي لا يعني سوى ضعف في بنية النظام، وهو ما يدفعهم لرفع سقف التشدد لإجهاض أي توجه براغماتي.
أزمة النظام: صراع الوجود أم صراع الصلاحيات؟
إن هذه المواقف النارية والمشحونة ليست سوى أعراض لمرض عضال يعاني منه النظام الإيراني. فالنظام يقف اليوم أمام «معضلة وجودية»: فمن جهة، تضغط الأزمات الاقتصادية والسياسية الخانقة على الحكومة لدفعها نحو تبني «خيار المفاوضات» لتخفيف الضغط الدولي، ومن جهة أخرى، يصر «الحرس الثوري» والتيارات الدينية المتشددة على أن أي تنازل هو تهديد لبقائهم وشرعيتهم الثورية.
إن تحول المنابر الدينية إلى منصات للرد على قرارات الحكومة الرسمية يكشف أن النظام فقد «وحدة القرار». فالحكومة تتحدث بلغة السياسة، بينما ترد المنابر بلغة الأيديولوجيا المتصلبة. هذا التناقض يضع المسؤولين الإيرانيين في موقف محرج دولياً، إذ يبعث برسائل متناقضة للعالم، مما يفرغ الدبلوماسية الإيرانية من أي محتوى حقيقي.
إلى أين يسير التخبط؟
إن «حرب الأجنحة» هذه لا تبشر بخير لمستقبل النظام، فهي تكشف عن هشاشة غير مسبوقة في كيفية اتخاذ القرار. فإذا كانت الحكومة غير قادرة على ضبط خطاب المنابر، فكيف ستكون قادرة على الالتزام باتفاقيات دولية؟
إن التراشق العلني والانتقادات اللاذعة تؤكد أن النظام يعيش «حالة استعصاء سياسي». فالدبلوماسية تتطلب مرونة، بينما تتطلب عقيدة النظام القائمة على «المنابر» التشدد ورفض الآخر. ومع استمرار هذا التمزق، يظل السؤال الكبير قائماً: هل سيتمكن النظام من احتواء هذه الصراعات، أم أن «انفجار التناقضات» الداخلي سيكون هو القوة التي تنهي هذا المسار من التخبط والانعزال؟ في المحصلة، يبدو أن النظام الإيراني قد أسر نفسه في «حلقة مفرغة»، حيث تعطل المنابرُ السياسةَ، وتعطل السياسةُ المنابر، ليبقى المواطن الإيراني ضحيةً لصراعٍ لا بوادر لانتهاء فصوله.

