بينما يلملم لبنان جراحه بعد سلسلة من «الكوارث» التي عصفت به نتيجة الحروب والتدخلات التي قادها «حزب الله» منفردًا، تقف البلاد اليوم أمام مفترق طرق خطير.
ففي وقت يسعى فيه رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى انتشال الدولة من «أتون الصراعات» واستعادة السيادة الوطنية عبر مسار تفاوضي يضع مصلحة لبنان فوق أي اعتبار، يبرز «حزب الله» مجددًا ليضع العراقيل، محولاً بوصلته من «مواجهة العدو» إلى «مواجهة الدولة» ومؤسساتها، في إصرارٍ لافت على تحدي المسار الوطني الرسمي.
«خطاب التحدي» وتكريس الانقسام
لم يكن خطاب الشيخ نعيم قاسم يوم أمس السبت سوى تأكيد إضافي على هذا النهج، حيث جاء ليعزز لغة الاستعلاء على الدولة ومؤسساتها، معيداً رسم خطوط المواجهة التي لا تخدم سوى إبقاء لبنان رهينة للأجندات الخارجية.
فبدلاً من التقاط «الفرصة الوطنية» التي أطلقها الرئيس عون للتهدئة، أصر قاسم في خطابه على نبرة التحدي، مؤكداً أن الحزب لا يرى في مسار الدولة إلا انحيازاً ضد مشروعه، وهو ما يفسر «الهجوم الممنهج» الذي يتعرض له الرئيس عون.
هذا الخطاب لم يكتفِ برفض المسار التفاوضي، بل بدا وكأنه إعلان استمرار في سياسة «الدولة الموازية»، حيث لا يرى الحزب في الدولة سوى كيان يجب أن يذعن لرؤيته لا أن يقود مصيره.
«الانزعاج» من خطاب الدولة
مصادر مقربة من «حزب الله» لم تخفِ حالة الغضب التي تعتريه تجاه الخطاب الأخير لرئيس الجمهورية ومسار التفاوض المباشر. فبالنسبة للحزب، لم يكن خطاب الرئيس مجرد رؤية وطنية، بل اعتُبر «مؤشراً على تموضع سياسي» ضد خياراته.
وبعيدًا عن لغة «الإنكار» الرسمية، تشير المصادر إلى أن الحزب يرى في سياسات الدولة «إقصاءً» له، متجاهلاً أن الدولة تحاول استعادة وظيفتها التي صادرها الحزب لسنوات.
هذا الموقف يعكس أزمة الحزب في قبول فكرة «الدولة القائمة التي تفاوض عن نفسها»، متمسكاً بـ «عقلية الفيتو» التي أدخلت البلاد في دوامة لا تنتهي.
بين «الاستقواء» و«التمسك بالسيادة»
تضع هذه الانتقادات «حزب الله» في مواجهة مباشرة مع المؤسسة الرئاسية، حيث ترى مصادر سياسية عبر قناة “الحدث” أن الحزب يمارس «استعراضاً سياسياً» يعكس ارتباكه أمام إصرار الرئيس عون على المضي قدماً في المسار التفاوضي، واصفةً الحملات التي شُنّت ضد الاجتماعات الرئاسية بأنها «أصوات نشاز» لا تعبر عن مصلحة لبنان العليا.
وفيما يصر الحزب على أن مواقفه «رد فعل سياسي»، رأت المصادر أن إصرار الحزب على مواقفه هذه هو استمرار لنهج «تحدي الدولة» الذي أدى إلى تآكل هيبة المؤسسات، حيث يفضل الحزب إبقاء قنوات التواصل «شبه معدومة» بدلاً من الانخراط في مسار الدولة الذي قد ينهي «عصره الذهبي» في التحكم بمصير اللبنانيين.
«حركة أمل» والمحاولات التوفيقية
في المقابل، تحاول «حركة أمل»، حليفة «حزب الله»، التموضع في خانة «احترام المؤسسات»، حيث دعا عضو المكتب السياسي للحركة، حسن قبلان، إلى التهدئة ورفض التصريحات التي تسيء لموقع الرئاسة. إلا أن هذا الموقف، وإن بدا «مؤسساتياً»، لا يخفي الهوة العميقة التي تتسع يوماً بعد يوم بين تيار «المقاومة» وبين مشروع «استعادة الدولة».
فالحركة تدعو إلى معالجة التباينات «ضمن الأطر الدستورية»، بينما يختار حليفها الاستراتيجي «التصعيد الإعلامي» كلما شعر أن الدولة بدأت تستعيد شيئاً من استقلاليتها.
اختبار «الشرخ الوطني»
إن العلاقة بين «حزب الله» ورئاسة الجمهورية اليوم باتت أمام «اختبار دقيق» يهدد بتوسيع الشرخ الداخلي. فإما أن يذعن الحزب لضرورة «تغليب المصلحة الوطنية» على «مصالحه الخاصة»، أو أن يستمر في سياسة «تحدي الدولة» التي قد تجر البلاد إلى مرحلة أكثر حساسية وخطورة. والحقيقة التي بات يدركها اللبنانيون، هي أن الحزب، الذي اختار زجّ البلاد في صراعات إقليمية، يبدو اليوم عاجزاً عن التكيف مع أي مسار يعيد للبنان قراره السيادي، مفضلاً البقاء في حالة «الاستعصاء السياسي» على أن يرى الدولة وقد بدأت بالتعافي.
لقد آن الأوان ليدرك الجميع أن «الاستقرار المنشود» لا يتحقق عبر حملات التخوين أو التشكيك بقرارات الرئاسة، بل بإنهاء زمن «الدولة المخطوفة» والعودة إلى كنف الشرعية، قبل أن تبتلع «أتون الصراعات» ما تبقى من هذا الوطن.

