وما النصر إلا من عند الله ولكن بماذا احتفلتم؟

الانتصار

بماذا احتفلتم عندما دخلت هدنة الأيام العشرة حيّز التنفيذ؟ هل احتفلتم بوقفٍ مؤقتٍ لإطلاق النار فُرض تحت وطأة ميزان خرج عن أي قدرة على الاستمرار، أم احتفلتم بمحاولة إعادة صياغة هذا التوقف القسري كأنه تتويج لانتصار لم يقع أصلًا؟

لأن الهدنة، في منطق الحروب، ليست سوى لحظة انكشاف،(انتقال من منطق النار إلى منطق السياسة حين تعجز المدافع عن الحسم،وما عدا ذلك ليس سوى صناعة سردية تُفصل على قياس الحاجة، لا على قياس الوقائع.

المسار الذي قاد إلى هذه اللحظة لم يكن ملتبسًا لمن أراد أن يقرأه خارج الشعارات. قرار الانخراط في الحرب لم يكن محل إجماع وطني، بل فُرض كأمر واقع تحت عناوين كبرى من نوع (الكرامة) (الثأر لخامنئي) و(المقاومة) و(الدفاع عن السيادة) .

كل اعتراض داخلي جرى اختزاله إلى خيانة، وكل سؤال عن الكلفة جرى التعامل معه كترف سياسي.

هكذا رُسمت معادلة مغلقة،الحرب قدر لا يُناقش،لكن هذه المعادلة لم تصمد أمام أول اختبار جدي للواقع، حين تحوّل (القدر) إلى عبء مفتوح على استنزاف غير محدود، وبدأ البحث عن مخرج لا يمكن تسميته إلا باسم واحد:(التراجع).

في البعد الجغرافي، تُطرح معطيات عن سيطرة أو تموضع عسكري إسرائيلي في مناطق حدودية واسعة قد تصل إلى نحو ٥٠٠ كيلومتر مربع، ما يضع سؤال (هل السلاح حمى) فعليا على الأرض في قلب النقاش، لا على هامشه

وهنا يبدأ تفكك الخطاب من داخله،فالجهة التي رفضت بصورة مطلقة أي مسار تفاوضي مباشر بين لبنان وإسرائيل، واعتبرته خروجًا عن الثوابت الوطنية ومساسًا بالسيادة، انتهت عمليًا إلى لحظة لم يعد فيها وقف إطلاق النار ممكنًا إلا عبر شبكة تفاهمات سياسية معقّدة، داخلية وخارجية، تمر عبر الدولة اللبنانية ومؤسساتها أي أن ما تم نفيه أخلاقيًا وسياسيًا عاد ليُفرض كشرط واقعي لا يمكن تجاوزه،ومع ذلك، لم تُقرأ هذه المفارقة كمراجعة، بل جرى طمسها تحت طبقة كثيفة من الخطاب الانتصاري.

هذا التناقض لا يعبّر عن حادثة عابرة، بل عن نمط حكم في إدارة المفهوم نفسه للدولة. الدولة تُهمَّش حين يُتخذ قرار الحرب خارجها، وتُستدعى حين يصبح وقفها ضرورة،تُدان حين تمارس دورها التفاوضي الطبيعي، ثم يُبنى على نتائج هذا الدور خطاب سياسي يتجاهل أصل العملية.

هذا ليس مجرد ازدواج في الخطاب، بل تفكيك عملي لفكرة السيادة نفسها، بحيث تتحول إلى أداة استعمال ظرفي لا إلى إطار مؤسساتي ثابت.

وعلى المستوى السياسي الداخلي، تتكشف طبقة أخرى من الأزمة تتمثل في إدارة دائمة للتوازنات على حافة النار والسلم، من دون تحمل كلفة القرار في أي اتجاه ،فلا حسم في الحرب ولا حسم في السلام، بل إبقاء البلاد في منطقة رمادية تُدار فيها الانفجارات بدل منعها، ويُعاد فيها تدوير الأزمات بدل حلّها. هذا التموضع، الذي يُقدَّم كبراغماتية أو (حكمة)،هو في جوهره إنتاج مستمر لللاقرار، أي تثبيت دائم للأزمة بدل تفكيكها.

ثم يأتي المشهد الأكثر دلالة ،لحظة إعلان وقف إطلاق النار نفسها،إطلاق نار احتفالي بهستيريا وقذائف و ب ٧ كاستعراض قوة رمزي- (لكنه أقرب إلى انكشاف مدى التخبط والهزيمة النفسية والخيبة والحاجة لقول نحن هنا) -في لحظة يُفترض أنها لحظة انكفاء بعد استنزاف طويل.

في وقتٍ لا تزال فيه آثار الحرب حاضرة بكل ثقلها، يتحول الفضاء العام إلى منصة إعلان (نصر) لا يمكن قياسه على أي من مؤشرات الواقع،لكن هذا الإعلان يصطدم فورًا بحقائق صلبة لا تقبل التعديل،دمار واسع في القرى والبلدات، انهيار واسع في البنى السكنية والاقتصادية، نزوح جماعي بمئات الآلاف، وخسائر بشرية لا يمكن اختزالها في الأرقام فقط، بل في أثرها الاجتماعي الممتد.

إقرأ أيضا: هدنة فوق الركام: عودة النازحين تحت نار الشروط… والدولة أمام امتحان نزع السلاح

تقديرات متداولة خلال مسار الحرب أشارت إلى مئات  القتلى، من بينهم نحو ١٧٠٠  في صفوف حزب الله مقابل أرقام أقل بكثير في الجانب الإسرائيلي، إضافة إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين اللبنانيين.

ثم يأتي المشهد الأكثر دلالة ،لحظة إعلان وقف إطلاق النار نفسها،إطلاق نار احتفالي بهستيريا وقذائف و ب ٧ كاستعراض قوة رمزي- (لكنه أقرب إلى انكشاف مدى التخبط والهزيمة النفسية والخيبة والحاجة لقول نحن هنا) -في لحظة يُفترض أنها لحظة انكفاء بعد استنزاف طويل

بصرف النظر عن النقاش حول دقة هذه الأرقام النهائية، فإن الاتجاه العام الذي ترسمه واحد،كلفة بشرية غير متكافئة وثقيلة على الداخل اللبناني.

وإلى جانب ذلك، تشير الوقائع الميدانية إلى تدمير واسع طال قرى الجنوب، ودمار جزئي أو شبه كامل في مناطق متعددة، وتضرر عشرات آلاف الوحدات السكنية والمحال التجارية، إضافة إلى نزوح قُدّر بمليون ونصف مواطن وجدوا أنفسهم خارج بيوتهم بين مراكز إيواء وشتات داخلي.

في البعد الجغرافي، تُطرح معطيات عن سيطرة أو تموضع عسكري إسرائيلي في مناطق حدودية واسعة قد تصل إلى نحو ٥٠٠ كيلومتر مربع، ما يضع سؤال (هل السلاح حمى) فعليا على الأرض في قلب النقاش، لا على هامشه.

ومع ذلك، يُقدَّم وقف إطلاق النار كأنه استعادة كاملة للوضع الطبيعي، لا كهدنة هشة مشروطة بتوازنات لم تُحسم بعد.

الأخطر في كل ذلك ليس حجم الخسائر فقط، بل القدرة على إعادة تسميتها،هنا يتحول (الواقع) إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل، الهزيمة تُعاد صياغتها كانتصار، الانسحاب يُقدَّم كثبات، والاستنزاف يُحوَّل إلى صمود.

التعري السياسي هنا لا يقوم على الانفعال، بل على ترتيب بارد للوقائع،حرب فُرضت خارج الإجماع، خطاب مجّدها ومنع مساءلتها، ثم انتهى إلى قبول نتائج سياسية لوقفها، تفاوض رُفض في الخطاب ثم فُرض في الواقع،دولة أُقصيت عند القرار ثم استُعيدت عند المخرج،وهدنة مؤقتة جرى تسويقها كإنجاز نهائي

بهذا المعنى، لا يعود النقاش حول ما جرى، بل حول القدرة على فرض معنى واحد له، وإغلاق المجال أمام أي قراءة بديلة.

لكن الوقائع، في نهاية المطاف، لا تخضع للبلاغة، ولا يمكن تحويل مئات آلاف النازحين إلى تفصيل، ولا تدمير البنية التحتية إلى هامش، ولا القرى الممسوحة إلى مجرد (أثمان جانبية) ،ولا يمكن القفز فوق حقيقة مركزية مفادها أن وقف إطلاق النار نفسه لم يكن نتيجة انتصار حاسم، بل نتيجة استنزاف متبادل وعجز عن الاستمرار في المسار نفسه.

التعري السياسي هنا لا يقوم على الانفعال، بل على ترتيب بارد للوقائع،حرب فُرضت خارج الإجماع، خطاب مجّدها ومنع مساءلتها، ثم انتهى إلى قبول نتائج سياسية لوقفها، تفاوض رُفض في الخطاب ثم فُرض في الواقع،دولة أُقصيت عند القرار ثم استُعيدت عند المخرج،وهدنة مؤقتة جرى تسويقها كإنجاز نهائي.

هذه ليست استعارات، بل تسلسل أحداث حين يُجرَّد من غلافه الدعائي.

في النهاية، لا يتعلق السؤال بحق الناس في الفرح بتوقف القتال، فهذا حق بديهي لا يحتاج نقاشًا ، لكن السؤال الحقيقي هو: هل يُطلب منهم أيضًا أن يتبنّوا معنى لهذا التوقف يتناقض مع كل ما عاشوه؟ لأن اللحظة التي تُحوَّل فيها الهدنة إلى انتصار مطلق، لا تعود مجرد لحظة سياسية، بل تصبح إعادة كتابة قسرية للواقع نفسه، حيث تُلغى الكلفة كي يبقى الخطاب، ويُمحى الألم كي تبقى الرواية…..

السابق
الجيش الإسرائيلي يحدد 5 شروط لوقف النار مغايرة عن اتفاق لبنان وأميركا: احتلال 55 قرية؟
التالي
سلام لنواب العاصمة: تنفيذ قرار بسط سلطة الدولة في بيروت سيكون حازماً ونهائياً