سيكولوجيا الوهم: كيف تُهزم الشعوب وتحتفل بالنصر؟

شهداء الحزب

ليس أخطر ما في الحروب أنها تُدمّر المدن، بل أنها تعيد تشكيل وعي من ينجون منها. هناك، في اللحظة التي يفترض أن يُطرح فيها السؤال الصعب: ماذا خسرنا؟ يُستبدل بسؤال أكثر راحة: كيف نُقنع أنفسنا أننا انتصرنا؟ ومن هذه اللحظة تحديدًا، لا تعود المعركة على الأرض، بل في العقول.

في لبنان، لا تحتاج إلى كثير من الجهد لتفهم أن “النصر” لم يعد حدثًا، بل حالة نفسية تُصنع عند الطلب. تُقصف البنية التحتية، تتشقق الدولة، يتآكل الاقتصاد، ثم فجأة، ومن بين الركام، يرتفع خطاب منتفخ بالعاطفة يعلن أن ما حدث ليس خسارة بل ملحمة. لا أحد يُسأل عمّا تهدّم، ولا أحد يُحاسب على ما فُقد، لأن السردية جاهزة: لقد صمدنا، إذًا انتصرنا. وكأن الصمود، في حد ذاته، صار بديلًا عن النتيجة.

هذا ليس سوء تقدير عابر، بل عملية منظمة من اللعب على العاطفة. يُعاد تعريف المعايير بحيث لا يعود النصر مرتبطًا بتحسين حياة الناس أو حماية الدولة، بل بمجرد القدرة على الاستمرار في الألم. يتحول الإنسان من غاية إلى وسيلة، ومن مواطن إلى متلقٍ للخطاب، يُطلب منه أن يشعر بدل أن يفكر، وأن يهتف بدل أن يسأل. وهنا تحديدًا تبدأ أخطر مراحل الوهم: حين يُستبدل الوعي بالشعور.

لبنان يقدّم النموذج الأكثر وقاحة لهذا التشوه. بلد يتآكل من الداخل، مؤسساته شبه مشلولة، شبابه يهربون منه كأنهم ينجون من حريق، ومع ذلك، كلما وقعت مواجهة، يُعاد إنتاج نفس المشهد: شعارات مرتفعة، أناشيد حماسية، صور “صمود” تُضخ بكثافة، ثم إعلان نصر لا ينعكس على أي تفصيل في حياة الناس. كأن الحقيقة لم تعد تُقاس بما يحدث في الشوارع، بل بما يُقال على المنابر.

الأمر لا يقف عند حدود التزييف، بل يتجاوزها إلى قمع أي محاولة لكسر هذا الوهم. مجرد التساؤل يُعتبر خيانة، وأي قراءة مختلفة تُدان أخلاقيًا قبل أن تُناقش. وهكذا، لا يُفرض الوهم بالقوة فقط، بل يُحمى نفسيًا من داخل المجتمع نفسه، حيث يتحول الناس إلى حرّاس للرواية التي تخدّرهم. إنهم لا يدافعون عن حقيقة، بل عن حاجة داخلية لعدم مواجهة الحقيقة.

إقرأ أيضا: علي الأمين: هدنة أميركية-إيرانية مؤقتة وتوازن هش يهدد المنطقة

في غزة، المشهد أكثر مأساوية، لأن الألم حقيقي وعميق، لكن حتى هذا الألم لا يسلم من التوظيف. حين تُختزل المعاناة في خطاب تعبوي، وحين يصبح الدمار دليلًا على “الحق” بدل أن يكون جرس إنذار، نكون أمام لحظة خطيرة يُعاد فيها تشكيل الوعي بحيث يتقبل الخسارة كقدر نبيل. لا أحد ينكر الشجاعة، لكن تحويل الألم إلى إنجاز بحد ذاته هو شكل من أشكال الهروب الجماعي من السؤال: ماذا بعد؟

أما في إيران، فالصياغة أكثر برودة، لكنها لا تقل خطورة. هناك، لا يُطلب من الناس أن يروا دمارهم المباشر، بل أن يعيشوا على فكرة انتصار ممتد خارج حدودهم. يتم ضخ شعور بالتفوق الإقليمي ليغطي على التآكل الداخلي، وكأن النفوذ الخارجي يمكن أن يعوّض الاختناق في الداخل. إنها نفس اللعبة، لكن بأدوات مختلفة: تحويل الانتباه، وتغذية العاطفة، وتهميش الواقع.

ما يجمع هذه النماذج ليس السياسة فقط، بل البنية النفسية التي تُستغل. الإنسان، حين يُسحق، يبحث عن معنى، وأحيانًا يقبل بأي معنى يُقدّم له، حتى لو كان زائفًا. الاعتراف بالخسارة مؤلم، لأنه يكشف العجز، بينما الوهم يمنح راحة مؤقتة، شعورًا زائفًا بالسيطرة، وإحساسًا بأن التضحيات لم تذهب سدى. وهنا تُبنى الصفقة غير المعلنة: السلطة تقدّم الوهم، والجمهور يقبل به مقابل ألا يواجه الفراغ.

لكن ثمن هذه الصفقة فادح. لأن كل مرة يُعاد فيها تدوير الهزيمة كنصر، تُدفن معها فرصة المراجعة. الأخطاء لا تُصحح، بل تُقدّس، والمسار لا يتغير، بل يُعاد إنتاجه. وهكذا، لا تعيش الشعوب سلسلة انتصارات، بل سلسلة هزائم مُعاد تسميتها. ومع كل دورة، يصبح الخروج من الوهم أصعب، لأن الاعتراف يتراكم، والألم المؤجل يكبر.

السؤال الحقيقي ليس لماذا يُكذب علينا، بل لماذا نُريد أن نُصدق. لأن المشكلة لم تعد فقط في من يصنع الخطاب، بل في القابلية لاستقباله. في تلك اللحظة التي يفضّل فيها الإنسان الشعور بالنصر على فهم الواقع، يصبح شريكًا، ولو بصمت، في استمرار الدائرة.

الانتصار الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، ولا إلى أناشيد تملأ الفراغ، ولا إلى خطابات تشرح ما لا يُرى. يُقاس ببساطة: هل تغيّرت حياة الناس نحو الأفضل؟ هل أصبحوا أكثر أمانًا؟ هل هناك دولة تحميهم بدل أن تستهلكهم؟ أي إجابة مراوغة عن هذه الأسئلة ليست إلا محاولة أخرى لتجميل الخسارة.

أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تُهزم، بل أن تُعاد برمجتك لتحتفل بهزيمتك. عندها، لا يعود هناك دافع للتغيير، لأنك تعتقد أنك وصلت. وفي لبنان، هذه ليست فرضية، بل واقع يتكرر بوقاحة لدرجة أنه لم يعد يُخفي نفسه. بلد يقف على حافة الانهيار، ومع ذلك، في كل مرة، يجد طريقة ليُقنع نفسه أنه انتصر. ليس لأنه انتصر فعلًا، بل لأنه لم يعد يحتمل أن يرى الحقيقة كما هي.

السابق
إيران ترفض المفاوضات رسميا ما لم تتوقف النار في لبنان.. وكواليس مواقفة ترامب ثم تراجعه
التالي
ندى معوّض.. من هي المندوبة اللبنانية للمفاوضات المباشرة إسرائيل؟